كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الذاريات من الآية( 7) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

7 - (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) أي ذات التراصف الواحدة فوق الأخرى ، ويقصد بها السماوات الغازيّة . ويفسرها قوله تعالى في سورة المؤمنون { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ } . فالحبك هو التراصف والتجمع شيء مع شيء . والشاهد على ذلك قول عنترة يخاطب عبلة :

فَسائلي فرَسي هلْ كُنْتُ أُطْلِقُهُ ..... إلاّ علَى مَوْكبٍ كاللَّيل مُحتبِكِ
فقل الشاعر "مُحتبك" صفة للموكب ، أي مجتمع متراصف . وقال زهير يصف نهراً:
مُكَلَّلٍ بِأُصولِ النَبتِ تَنسُجُهُ ..... ريحٌ خَريقٌ لِضاحي مائِهِ حُبُكُ
أي خطوط متراصفة كأنها نسجت في الماء يصف بذلك تموج الماء ، وقال امرؤ القيس يصف السماء والجبال التي تحتها وهي مكلّلة بالغيوم :
مُـــــكـــــلّلـــــــةً حَــــــمْــــــراءَ ذات أســــرّةٍ ..... لــهـــا حَـــبَـــكٌ كـــأنــّـهـــا مـــن حـــبــــائــلِ
والواو من قوله (وَالسَّمَاءِ) للقسَم وهو قسم ثاني ، المعنى : ستتفرق هذه السماوات الغازية بعد أن كانت متراصفة وتختلط غازاتها بعد أن كانت منفصلة فتكون كالدخان المتكوّن من سبعة غازات ، وأنتم أيها المشركون ستبقون على الأرض تتعذبون بذلك الدخان ولانرفعكم إلى السماء مع المؤمنين . ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الدخان {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ . يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} . وهذا الحادث يكون قبل القيامة .

8 - (إِنَّكُمْ) أيها المشركون (لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ) في شأن رسولنا محمد فبعضكم يقول شاعر وبعضكم يقول ساحر والآخر يقول مجنون ، كما اختلفتم في القرآن فبعضكم يقول سحر والآخر يقول كهانة والآخر يقول أساطير الأولين .

9 - (يُؤْفَكُ عَنْهُ) أي عن النبي (مَنْ أُفِكَ) يعني من أَفَكَ نفسه عن طاعة الله . يُقال أفكه يأفكه . يعني صرفه عن الشيء وقَلَبَه . من ذلك قوله تعالى في سورة الأحقاف حاكياً عن قوم هود {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا}. أي لتصرفنا عن عبادتها .

والمعنى : يصرف الناس بكذبه ويصدّهم عن طاعة النبي مَن صرف نفسه عن طاعة الله . وهو الشيطان صرف نفسه عمّا أمره الله به من السجود لآدم ، واليوم يصدّ الناس عن طاعة رسول الله وعن الإيمان به.

10 - (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) أي الكذّابون الذين يصرّون على باطلهم . وقد سبق شرح هذه الكلمة في سورة الأنعام عند قوله تعالى {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} في آية 116 .

11 - (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ) أي في بحر من الجهل لاهون . يقال غمره الماء أي غطّاه ، ومن ذلك قول الفرزدق :

وَنَجّى أَبا المِنهالِ ثانٍ كَأَنَّهُ ..... يَدا سابِحٍ في غَمرَةٍ يَتَذَرَّعُ
وقد سبق شرح هذه الكلمة في سورة الأنعام والمؤمنون أيضاً .

12 - (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) يعني متى يكون يوم العقاب يوم نُدان فيه ؟ فقال الله تعالى :

13 - (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) أي يعذّبون . فتقول لهم ملائكة العذاب :

14 - (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا) العذاب (الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) في دار الدنيا .

15 - ثمّ وصف الله المتقين فقال تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون) ماء يجري .

16 - (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) من هدايا في الجنة (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَ‌ٰلِكَ مُحْسِنِينَ) يعني كانوا في الدنيا محسنين مع الفقراء والضعفاء .

17 - ثمّ وصف هؤلاء المحسنين بالتقوى فقال تعالى : (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) يعني كانوا قليلاً من الليل ينامون وأكثره يتعبّدون ، وكلمة "ما" تستعمل للتنوّع ، والمعنى سواء أكان الليل من الليالي الطوال أم من القصار ، صيفاً كان الوقت أم شتاءً . فالهجوع هو النوم . ومن ذلك قول الخنساء :

أَبَى طولُ لَيلِيَ لا أَهجَعُ ..... وَقَد عالَني الخَبَرُ الأَشنَعُ

18 - (وَبِالْأَسْحَارِ) جمع سَحَر ، وهو قبل طلوع الفجر (هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) . ومثلها في المعنى في سورة السجدة قوله تعالى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} .

19 - (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) السائل الذي يسأل الناس فيعطونه ، والمحروم الذي لا يسأل ، والمعنى ينفقون من أموالهم على الفقراء والمحتاجين .

20 - لَمّا ذكر الله سبحانه الرياح التي أهلكت قوم هود في أول السورة عقبها بهذه الآيات تبياناً لما فات فقال تعالى (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ) أي علامات على تدمير قوم هود بالأعاصير ، والعلامات هي ديارهم الخربة وآثارهم الباقية في الأرض ، ولذلك قال تعالى (لِّلْمُوقِنِينَ) بوقوع تلك الحوادث انتقاماً منهم على تكذيبهم رسل الله . لأنّ أكثر الناس لا يوقنون بأنّها حوادث انتقامية وقعت بأمرٍ من الله بل يقولون هذه حوادث طبيعية تحدث صدفة في كلّ زمان .

21 - (وَفِي أَنفُسِكُمْ) آيات على صدق قولنا، وهي قصتهم التي حدّثتكم بها أجدادكم ونقلتها التوراة أيضاً لكم من سفر التكوين (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) آثارهم وديارهم الخرِبة .

22 - (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) أي أسباب رزقكم من رياح وسحاب وأمطار (وَمَا تُوعَدُونَ) به من رزق في الجنة أيضاً هو في السماء للمتّقين .

23 - (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) . قلتُ فيما سبق أن القسم الذي في القرآن هو قسم تهديد ووعيد وإنذار بنزول عذاب أو خراب وتدمير ، فلّما جاء ذكر السماء والأرض في هذه الآية بعد القسم فمعناه إن الله تعالى سيخرّبها يوم القيامة ويشقّقهما ، فالسماء الغازية تتمزق وتختلط تلك الغازات بعضها ببعض فتكون دخاناً ، والأرض تتشقق وتتقطع فتكون نيازك وأقمار للكواكب الجديدة وتنتثر في الفضاء . فهذا معنى القسم الذي أقسم الله به وذكر فيه السماء والأرض ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الإنفطار {وإذا الكواكِبُ انتثرَتْ} يعني تمزّقت وانتثرت أجزاؤها في الفضاء .

ثمّ قال تعالى (إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي لكائن ذلك الخراب لا محالة وهو سهل علينا دون مشقة (مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) بسهولة وبسرعة دون مشقة ولا تكليف . فإن أردت زيادة إيضاح عن السماوات فاقرأ كتابي الكون والقرآن فقد شرحت عنها شرحاً وافياً .

------------------------------------
الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم