كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 100) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

100 - (وَجَعَلُواْ) المشركون (لِلّهِ شُرَكَاءَ ) يعبدونهم بأمر (الْجِنَّ) أي بأمر الشياطين ، والمعنى : الجنّ أمروا المشركين أن يجعلوا للهِ شُركاء فأطاعوا أمرهم (وَخَلَقَهُمْ) الله جميعاً المشركين والجنّ فكيفَ يجعلون لمن خلقهم شركاء (وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ ) أي اختلقوا لله البنين والبنات كَذِباً وافتراءً عليهِ . فالنصارى واليهود ادّعَوا لهُ البنين ، لأنّ النصارى قالوا المسيح إبن الله ، واليهود قالوا عُزير إبن الله ، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله ، وقولهم هذا (بِغَيْرِ عِلْمٍ ) منهم بالحقائق بل مجرّد ادّعاء (سُبحانهُ) أي تنزيهاً لهُ عن اتّخاذ البنين والبنات (وَتَعَالَى) أي تعاظمَ (عَمَّا يَصِفُونَ ) لله من بنين وبنات .

101 - (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) أي الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض ، فهو الّذي أبدعها وكوّنها وأجراها في أفلاكها وأدارَها حول محورِها لينشأ فيها اللّيل والنهار وخلقَ فيها أنواع المخلوقات من حيوان ونبات فجعلها رزقاً للإنسان وأعطاهُ العلم والبيان وأخذَ عليه العهود والأيمان بأن لا يُشرك بعبادة الرحمان فنقضَ العهد وخانَ وعبدَ الملائكة والأوثان فكان عاقبة أمره الخُسران ، وقوله (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ) أي كيف يكون لهُ ولد (وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ) أي زوجة (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) من ذكور وإناث فلو صحّ ما يدّعون من الولد لعلمَ بهِ ولأخبرَ بهِ في الكتب السماويّة كالتوراة والزبور والقرآن ولكنّهم يفترون على الله الكذب (وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ ) من مخلوقاتهِ (عَلِيمٌ) لا يَخفَى عليه شيء منها .

102 - (ذَلِكُمُ) الّذي خلق لكم هذه الأشياء وأبدعها هو (اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ ) وحدهُ (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) من جماد ونبات وحيوان وإنسان (فَاعْبُدُوهُ) ولا تعبدوا غيره (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) أي حفيظ .

103 - (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) البصر عين النفس وجمعه أبصار ، والمعنى : لا تراه النفوس بأبصارها ولا الأجسام بعيونِها (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) أي يراها ويدرك خيانتها ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة غافر {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } ، والمعنى : أنّ الله تعالى يرَى مخلوقاته وهي لا تراه ، (وَهُوَ اللَّطِيفُ ) بعبادهِ (الْخَبِيرُ) في خلقهِ . وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الله تعالى يراهُ المؤمنون يوم القيامة واستشهدوا بقوله تعالى في سورة القيامة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. } أقول ليس المقصود من كلمة {نَاظِرَةٌ} هو النظر إلى وجه الله تعالى بل المقصود منها الانتظار ، والمعنى : إلى جزاء أعمالها مُنتظرة ، وكذلك قوله تعالى في سورة الزمر {فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ } ، أي ينتظرون جزاء أعمالهم ، وهذا في بادئ الأمر من يوم القيامة ، ثمّ يدخل المؤمنون الجنّة ويتنعّمون بنعيمها فحينئذٍ ينطبق فيهم قولهُ تعالى في سورة الغاشية {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ . لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } ، فكلمة "ينظرون" معناها ينتظرون ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف حاكياً عن إبليس {قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي أمهِلني . فلو تراه العيون لرآه موسى بن عمران لَمّا أغراه قومهُ فقال ربِّ أرني أنظرْ إليك قال الله تعالى لن تراني ، ولو تراه الأبصار لرآه حبيبهُ محمّد لَمّا عُرِجَ به إلى السماء ، فمن قال بذلك فهو آثم .

104 - (قَدْ جَاءكُم ) أيّها الناس (بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ) "البصائر" جمع بصيرة أي علامة وبيّنة يتّضح لمن فكّرَ بها الحقّ من الباطل والصحيح من الخطأ والهُدى من الضلال (فَمَنْ أَبْصَرَ ) طريق الحقّ وسار عليهِ (فَلِنَفْسِهِ) نفعهُ (وَمَنْ عَمِيَ ) عن طريق الحقّ وحادَ عنهُ (فَعَلَيْهَا) أي فعلَى نفسهِ وبالهُ وعقابه ، قل يا محمّد لهم فما أنا بملوم بعد هذا الإنذار (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) إذا جاءكم العذاب فلا يُمكنني حينئذٍ تخليصكم منهُ ولا أحفظكم عنهُ .

105 - (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ) في عقولهم ليفهموها ، أي نبيّنها لهم على التفصيل (وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ) قال بعض العرب لقد درسَ التوراة عند اليهود فجاءنا محمّد وادّعى النبوّة (وَلِنُبَيِّنَهُ) في المستقبل ، أي نُبيّن المتشابه من القرآن (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ويدرسون علوماً شتّى . وهذا هو الزمان الّذي وعدنا الله تعالى به بأن يُبيّنَ تفسير القرآن للناس على لسان المهدي ، لأنّ العلم زادَ في هذا العصر وبلغَ ذروتهُ . ونظير هذه الآية في سورة القيامة قوله تعالى {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أي بيان ما اشتبهَ عليهم من آيات القرآن وألغازه .

106 - أخذ النبيّ (ع) في نصح المشركين وإرشادهم إلى طريق الحقّ وإنذارهم عن عبادة الأصنام مِراراً وتكراراً فلم يسمعوا لقولهِ ولم يعملوا بأمرهِ بل أخذوا يدعونه إلى عبادة الأصنام ويرغّبونه إلى دينهم ودين آبائهم لعلّهُ يميل إليها بالترغيب إن لم يفد فيهِ التأنيب ، فنزلت هذه الآية (اتَّبِعْ) يا محمّد سبيل (مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) في نهج التوحيد ولا تتّبع سبيل المشركين في نهج الإشراك وعبادة الأوثان ولا تسمع لقولهم إذ مدحوا آلهتهم عندك وزعموا أنّها تنفعهم وتضرُّ من يُعاديها (لا إِلَـهَ ) في الكون (إِلاَّ هُوَ ) الّذي أوحَى إليك وبعثك بالرسالة (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) بعد أن أنذرتهم .

107 - (وَلَوْ شَاء اللّهُ ) هدايتهم (مَا أَشْرَكُواْ ) ولكن لا يستحقّون الهداية لأنّهم ظَلَمَة يظلمون الناس حقوقهم ويغصبون الضعفاء أموالهم ، فاتركهم بعد أن أنذرتهم (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) فتريد أن تحفظهم من العذاب بتكرارك الدعوة إلى الإيمان (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ) فتنجيهم من العذاب إذا نزل بهم ، والمعنى : لم نجعلك حفيظاً عليهم ولا هم جعلوك عليهم حفيظاً .

108 - تشاجر رجل من المسلمين مع آخر من المشركين وكان المشرك ينحر هديهُ للبيت ، فقال المسلم إنّ الله لا يقبل هديك لأنّك مُشرك ، فقال بل أنت لا يقبل هديك لأنّك كفرتَ بآلهتنا ، فأخذ المسلم في سبّهِ وسبّ أصنامه ، فغضب المشرك وسبّ الله . فنزلت هذهِ الآية (وَلاَ تَسُبُّواْ ) المشركين (الّذينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ ) أي لا تسبّوهم مواجهةً وجهاً لوجه لأنّهم جَهَلة (فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا ) أي بسرعة ، يقال جاءت الخيل تعدو ، أي مُسرعة ، والمعنى : يُسرعون في سبّ الله بدون إدراك ولا تأمّل فيما ينطقون بهِ من شِدّة الغضب لأنّهم جاهلون أمر الدين (بِغَيْرِ عِلْمٍ ) من الحقائق (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) أي زيّنّا لهم أعمال الخير من حجّ البيت ونحر الهدي وسقي الحاجّ وغير ذلك من مناسك الحجّ ، وزيّن لهم الشيطان أفعال الشرّ ( ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ ) بعد الموت (فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ويحاسبهم عليها . وما أكثر الجَهَلَة اليوم الّذينَ يعتدون على الناس قصد السخرية والاستهزاء فيعتدون على رجل بهِ بعض الجنون فيأخذ في سبّ الله وسبّ الأنبياء وهم يضحكون عليه ويسخرون منه . أو يعتدون على رجل من غير دينهم فيسبّوهُ أو يضربوهُ وهو لا يقدر على دفعهم عنه فيسبّ الله والنبيّ سرّاً وهم لا يعلمون . فالذي يعتدي على الضعفاء والمجانين ويكون سبباً لكفرهم وهو عالم بذلك يجب أن يُهان ويُجلَد عشرين جلدة كي لا يعود إلى مثل ذلك .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم