كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 113) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

113 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في تسلية النبيّ ووعدهُ بأنّ الكافرين سيصغون إلى القرآن في المستقبل إن لم يصغوا إليه اليوم وليرضَوهُ إن لم يرضَوا بهِ اليوم وليقترفوا من علومهِ إن لم يقترفوا اليوم ، وذلك قولهُ تعالى (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ ) أي إلى استماع القرآن ، واللّام لام العاقبة ، والمعنى : في عاقبة الأمر تَصغَى إليهِ (أَفْئِدَةُ الّذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) يعني منكرو البعث إن كانوا لا يصغون إلى القرآن في زمن النبيّ فسيصغون إليهِ في زمن المهدي حين يفهمون معانيه ويقرأون تفسيره (وَلِيَرْضَوْهُ) إن كان بعضهم لا يرضى به في زمانك يا محمّد (وَلِيَقْتَرِفُواْ) من علومهِ (مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ) في زمانك يا محمّد ، و"الاقتراف" معناهُ الاكتساب من الشيء والإكثار منه . قال الله تعالى في سورة الشورى {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } ، وقال لبيد : وَإِنِّي لِآتٍ مَا أَتَيْتُ وَإِنَّنِي لِمَا اقْتَرَفَتْ نَفْسِي عَلَيَّ لِرَاهِبُ

114 - قالت قريش للنبيّ (ع) : "أليس اليهود أهل كتاب؟" قال : "نعم" قالوا : "أليست التوراة مُنزلة من الله؟" قال : "نعم" قالوا : "فلنجعل بعض علماء اليهود حَكَماً بيننا وبينك فإن اعترفوا بنبوّتك فإنّنا نؤمن بك وإن لم يعترفوا فلا نؤمن" . فنزلت هذهِ الآية : قل لهؤلاء المشركين (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي ) أي أطلب (حَكَمًا) بيننا (وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ ) أي القرآن (مُفَصَّلاً) بالأدلّة والبراهين على صِدقي (وَالّذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يعني علماء اليهود الّذينَ تريدون أن نتحاكمَ عندهم (يَعْلَمُونَ) علم اليقين (أَنَّهُ) أي القرآن (مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) أي بالدين الحقّ لِما يرَون فيهِ من الأدلّة والبراهين الّتي تثبت صدق محمّد وما أخبر بما في التوراة من أحكام وقصص وخفايا لم يكن يعلمها محمّد من قبل ولا غيرهُ من العرب ، ولكن لا يؤمنون بهِ حسَداً منهم وتكبّراً على العرب وخوفاً على الرئاسة أن تذهب منهم إن آمَنوا (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) أي فلا تشكّ في نبوّتك فتقول لو كنتُ نبيّاً لآمنت بي العرب واليهود وغيرهم ، فلستَ أوّلَ نبيٍّ كذّبوهُ وسخروا منه فقد كُذِّبَ رُسُلٌ من قبلك وسخروا منهم فصبروا حتّى جاءهم نصرنا فَاصبرْ ولا تجزعْ .

115 - ولَمّا انتصر المسلمون على المشركين نزلت هذه الآية (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ) بالنصر للمُسلمين على الكافرين ، أي تمّ لكم النصر الذي وعدكم اللهُ بهِ ، فالكلمة تعني الجُملة (صِدْقًا وَعَدْلاً ) يعني كلماته صادقة لا خلاف فيها ولاتغيير ، وهي عادلة لا جور فيها (لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ ) يعني لا يقدر أحدٌ من الناس ولا قومٌ أن يبدّلوا كلام الله الذي وعدَ بهِ أولياءَهُ ورُسُلَهُ من النصر مهما كثر عدد الكافرين وقلّ عدد المؤمنين (وَهُوَ السَّمِيعُ ) لأقوالهم (الْعَلِيمُ) بأعمالهم

116 - (وَإِن تُطِعْ ) آراء (أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ ) من الناس (يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) لأنّهم مُشركون ولكلِّ فرقةٍ منهم عقيدة باطلة غير عقيدة الفرقة الاُخرى وكلٌّ منهم يدعوك إلى دينهِ ومذهبهِ (إِن يَتَّبِعُونَ ) أي ما يتّبعون (إِلاَّ الظَّنَّ ) في تلك المذاهب ولم يتمسّكوا بكتاب سماوي (وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) أي يكذبون ثمّ يقطعون على الكذب ، يعني يُصرّون على عقائدهم الباطلة ولا يعترفون بالحقّ . فالخُرُص هو قِطعة من نبتةٍ أو من شجرةٍ أو من سعف النخيل ، ومن ذلك قول الشاعر : تَرَى قِصَدَ الْمُرَّانِ تُلْقَى كَأَنهـا تَذَرُعُ خِرْصانٍ بِأَيْدِي الشَّواطِبِ يعني جريداً من السعف يُقطع طولاً ويُتّخذ منهُ حصران وأسِرّة ، والشطبة هي العودة الطويلة المستقيمة الّتي لا اعوجاج فيها ، والشواطب هم الّذينَ يعملون الحِصران من خوص تلك الأعواد أو يعملون منها أسِرّة .

117 - قالوا للنبيّ (ع) أنتَ ضالّ عن طريق الحقّ لأنّك كفرتَ بآلهتنا ونحنُ مهتدون ، فنزل قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ، والمعنى : إنّ المشركين ضالّون عن طريق الحقّ ويُضلّون الناس أيضاً عن الطريق ، أمّا المسلمون فهم المهتدون .

118 - رمَى أحد المسلمين ظبياً فقتلهُ بسهمهِ بعد أن ذكر اسم الله عليهِ ثمّ ذبحهُ وطبخهُ ودعَى شخصاً آخر من المسلمين ليأكل معهُ ، وكان ذلك الشخص يهوديّاً فأسلم ، ولَمّا حضرَ الوليمة وقدّم له الطعام أخبرهُ بقصّة الظبي وكيف صادهُ ، فامتنع صاحبه عن الأكل منه وقال لا يجوز أكلهُ لأنّهُ مات قبل الذبح ، فقال الصيّاد : "إنّي ذكرتُ اسم الله عليه لَمّا رميتهُ بالسَهم ثمّ ذكرتُ اسم الله عليه عند الذّبح فصار حلالاً ، فقال صاحبهُ : "أنا لا آكل منهُ ." فقصّ الصيّاد حديثهُ على النبيّ ، فنزل قوله تعالى (فَكُلُواْ) أيّها المسلمون من الصيد (مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ ) وإن مات قبل الذّبح (إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ) أي مصدّقين .

119 - (وَمَا لَكُمْ ) أي ما بالكم ؟ يعني أيّ مانعٍ لكم ؟ (أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ ) من الذبائح (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) يعني وقد بيّنَ لكم على التفصيل كلّ مُحرّم من اللّحوم في القرآن (إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) عند المجاعة فلا بأسَ عليكم من أكلهِ (وَإِنَّ كَثِيرًا ) من الناس (لَّيُضِلُّونَ) عن الحقّ (بِأَهْوَائِهِم) أي باتّباع أهوائهم وآرائهم (بِغَيْرِ عِلْمٍ ) من كتاب سماوي (إِنَّ رَبَّكَ ) يا محمّد (هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) على الدِين فيحرّمون ويُحلّلون بآرائهم .

120 - (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ) أي تجنّبوا المحرّمات الظاهرة منها والباطنة ، فالظاهرة الّتي يعملها الإنسان جهاراً ، والباطنة الّتي يعملها سِرّاً فلا يراهُ أحد من الناس (إِنَّ الّذينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ ) بتحريم ما أحلّ الله أو تحليل ما حرّم الله (سَيُجْزَوْنَ) بالعذاب (بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ ) أي بما كانوا يكسبون من الآثام .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم