كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 121) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

121 - (وَلاَ تَأْكُلُواْ ) أيّها المسلمون (مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ ) عند الذّبح (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) يعني إنّ أكلهُ خارج عن المحلّلاتِ من الأنعام ، يُقال فسقت النواة من التمرةِ أي خرجت ، (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ ) المشركين بالوسوسة والإغراء (لِيُجَادِلُوكُمْ) في الميتة يقولون لكم كيف تأكلون مِمّا تقتلونهُ أنتم ولا تأكلون مِمّا قتله الله وقتيل الله أولى بالأكل من قتيلكم . يعنون بذلك الميتة ، فهذهِ مجادلتهم مع المسلمين (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ) في أكل الميتة وما ذُبح لغير الله (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) مثلهم .

122 - ثمّ ضرب الله مثَلاً بالمؤمن والكافر (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) الموت هنا كناية عن الذلّ والفقر والعبوديّة ، والحياة كناية عن العزّ والغنى والحريّة ، والمعنى : أوَ مَن كان فقيراً حقيراً فهديناهُ إلى الإيمان فآمَن وصار حُرّاً عزيزاً ، والألف من قوله (أَوَ مَن ) للاستفهام (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ) وهو نور البصيرة والهداية (يَمْشِي بِهِ فِي ) هداية (النَّاسِ) مُستضيئاً بهِ عاملاً الخير وداعياً إلى الله (كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) أي كمن هو كافر ، والكافر مَثَلهُ كالميّت المدفون في القبر والمختبئ في ظُلماتهِ لا يسمع ولا يبصر ولا يستفيد منه أحد وليس الميّت بخارج من تلك الظُلمات ، والمعنى : أتجعلون المؤمن الذي يُفيد الناس بإرشاداتهِ كالكافر الذي يضرّ الناس بجهلهِ ولا ينفع أحداً كالميّت المدفون في القبر لا يستفيد منه أحد (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أي زيّنت لهم آباؤهم وأجدادهم هذه الأعمال الباطلة ، وكذلك الشيطان زيّنها لهم .

123 - ونزل في رؤساء مكة لَمّا اجتمعوا في دار الندوة وأرادوا أن يمكروا بالنبيّ فيقتلوهُ (وَكَذَلِكَ) أي كما في مكّة أكابر يعني رؤساء ليحكموا بين الناس بالعدل ويُعاقبوا المجرم ، كذلك (جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ ) فلمّا أرسلنا إليهم رسولَنا ليرشدهم إلى عبادة الله ويُنذرهم عن عبادة الأصنام طغَوا عليهِ وتكبّروا وأصبحوا هم (مُجَرِمِيهَا) أي مُجرمي القرية فتشاوروا فيما بينهم (لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ) برسولنا فيقتلوهُ (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ ) لأنّ الله يرعاهُ وملائكتهُ تحرسهُ وجبريل يُخبرهُ بمكرهم فيأخذ الحذر منهم (وَمَا يَشْعُرُونَ ) .

124 - (وَإِذَا جَاءتْهُمْ ) يعني الأكابر الّذينَ سبق ذكرهم (آيَةٌ) أي مُعجزة عِلميّة تثبتُ صدق محمّد ، وهي القرآن (قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ ) بها ولا بالّذي جاء بها (حَتَّى نُؤْتَى ) مُعجزة ماديّة (مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ ) من قبل من المعجزات كعصا موسى وناقة صالح ، فقل يا محمّد (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) يعني الله أعلم بمصالح العباد وبالمعجزة الّتي ينقادون إليها ويؤمنون بها ، وأعلم بمن يقدر أن يقوم بأداء الرسالة ويتحمّل مشاقّها وأتعابها ، فلو أعطيناكم معجزة ماديّة كعصا موسى وناقة صالح لكذّبتم بها وقلتم إن هذا إلاّ سِحرٌ مُبين ، كما كذّب من قبلكم قوم فرعون لَمّا رأوا العصا وكذّب قوم صالح لَمّا رأوا الناقة فعقروها فأهلكناهم بذنوبهم ، فكذلك أنتم تكذّبون إذا رأيتم المعجزة قد حصلت فحينئذٍ يجب علينا إهلاككم ونحن لا نُريد ذلك بل نريد أن يسود دين الإسلام جميع الأديان (سَيُصِيبُ الّذينَ أَجْرَمُواْ ) إلى النبيّ وأرادوا قتلهُ ، وهم الأكابر الّذينَ سبق ذكرهم في الآية السابقة (صَغَارٌ) أي ذلٌّ وخزيٌ ، ومن ذلك قول حسّان يهجو عبد الدار : وإذا ما سَمَتْ قُرَيْشٌ لِمَجْدٍ خَلَّفَتْها في دارِها بِصَغارِ أي بذلٍّ وخزيٍ بدل المجد ، وقال أيضاً : وَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ صَغاراً وَتابَعُوْا فَأَوْلَى لَكُمْ أَوْلَى حُداةَ الزَّوامِلِ (عِندَ اللّهِ ) في عالم البرزخ (وَعَذَابٌ شَدِيدٌ ) في الآخرة (بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ ) برسولنا وبالمؤمنين من أصحابهِ .

125 - (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ ) إلى الإسلام بسبب عطفه على الفقراء والضعفاء وحُسن أخلاقهِ (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ) بأن يُحبّب لهُ الإسلام ويُلقي نوراً في قلبهِ فيهتدي ويُسلِم (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ ) عن طريق الحقّ بسبب ظُلمهِ للناس واعتدائهِ على الضعفاء يُلقي عليه مرضاً نفسيّاً (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا ) عن قبول الدعوة إلى الإسلام (حَرَجًا) أي مُتحرّجاً لا يميل إلى الدعوة ولا يصغي إلى استماعها (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ) لشِدّة ضيقهِ منها وتحرّجهِ فيها . وإنّما ضرب الله مثَلاً في ضيق الصدر بالصعود إلى السماء لأنّ الأوكسجين يقلّ كلّما ارتفع الإنسان في الفضاء فلا يجد هناك من الأوكسجين ما يكفي لاستنشاقهِ ، ثانياً كلّما ارتفع الإنسان يصعب عليهِ التنفّس [بسبب انخفاض الضغط الجوّي في طبقات الجوّ العليا ] (كَذَلِكَ) أي مِثل ذلك المرض النفسي (يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ ) أي المرض (عَلَى الّذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) بالآخرة .

126 - (وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ ) أي طريق ربّك ، والمعنى : مَن سلك هذا الطريق يوصلْهُ إلى ربّهِ وإلى الجنان الأثيريّة في السماوات العالية فيكون بجواره تحت العرش ، والصراط يريد به دين الإسلام (مُسْتَقِيمًا) لا اعوجاج فيهِ ولا ميلَ عن الحقّ ، كما مالت اليهود إلى عبادة الأصنام والنصارى إلى عبادة المسيح واُمّهِ (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ) وأصلها يتذكّرون فحُذِفَتْ التاء تسهيلاً للكلام ، ومعناها يتّعِظون . ثمّ بيّن سُبحانهُ ما لهؤلاء المتّعِظين من الكرامةِ عند الله فقال :

127 - (لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ ) أي دار السلامة والأمن (عِندَ رَبِّهِمْ ) في الجنان الروحانيّة تحت العرش (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ) أي الله يتولّى أمرهم وهو سيّدهم (بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) من أعمال صالحة .

------------------------------------

66 :جاء في تفسير البيضاوي ص 477 "ويحتمَل أن يكون منقولاً من أُمِر بالضمّ إمارةً أي جعلناهم أمراء ، وأمّا في التفسير الواضح فقد صرّح بالتشديد إذ قال في المجلّد الثاني جزء 15 : " أمّرنا مترفيها أي جعلنا أغنياءها حكّامها وقادتها . " - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم