كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 155) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

155 - (وَهَـذَا) القرآن (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ ) على محمّد (مُبَارَكٌ) في المستقبل ، "البركة" معناها الزيادة والكثرة ، ومعنى "مباركٌ" يعني يزداد القرآن بتفسيره والعلوم الّتي تنتج عنه (فَاتَّبِعُوهُ) بالعمل بأحكامهِ (وَاتَّقُواْ) مُخالفتهُ (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) في الآخرة .

156 - (أَن تَقُولُواْ ) يعني أنزلنا إليكم القرآن لئلاّ تقولوا (إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ) يعني اُنزِلَت التوراة على اليهود والإنجيل على النصارى ولم يُنزَلْ علينا كتاب (وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ ) يعني وإنّا عن دراسة تلك الكتب والأديان (لَغَافِلِينَ) لا يسعنا أن ندرسها لانشغالنا بتحصيل المعاش أوّلاً ولاختلاف لُغاتهم عن لُغتنا ثانياً .

157 - (أَوْ تَقُولُواْ ) يا أهل مكّة (لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ) أي أهدَى من اليهود والنصارى (فَقَدْ جَاءكُم ) الكتاب فليس لكم عُذرٌ بعد إنزالهِ ، فهو (بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) لمن أراد أن يتبيّن الحقّ من الباطل (وَهُدًى) لمن يهتدي بهِ (وَرَحْمَةٌ) لأتباعهِ (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ ) الّتي جاءت في القرآن (وَصَدَفَ عَنْهَا ) أي وصدَّ عنها (سَنَجْزِي الّذينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا ) أي يصدّون عنها ، ومن ذلك قول حسّان : لَمّا رَأَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو صَدَفَتْ قَدْ بَلَّعَتْ بِي ذُرْأَةٌ فَأَلْحَفَتْ قول الشاعر " صَدَفَتْ " أي صدّت عنّي ، وقولهُ "قَدْ بَلَّعَتْ بِي" أي تكلّمت عليّ بالفُحش والكلام القبيح ، وهذه الكلمة مُستعملة في الموصل حتّى الآن (سُوءَ الْعَذَابِ ) أي أسوء العذاب وأشدّهُ (بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ) عن القرآن وعن الّذي اُنزِل عليه .

158 - قالت قريش للنبيّ (ع) : "لن نؤمن لك حتّى تُنزّل علينا ملائكةً من السماء يشهدون أنّك رسول الله أو يأتي ربّك فيشهد بذلك أو تشقّ القمر نِصفَين فنراهُ بأعيننا فنؤمن لك" ، فنزلت هذهِ الآية (هَلْ يَنظُرُونَ ) أي هل ينتظرون (إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ ) فتشهد لهم على صحّة نبوّتك فحينئذٍ يؤمنون (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ) فيشهد لك كما اقترحوه عليك (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ) التي هي من علائم الساعة ومن تلك العلائم إنشقاق القمر (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ) وهي انشقاق القمر (لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) في ذلك الوقت ، إن (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ) حدوث تلك الآية (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ) يعني أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً ، والمعنى : إنْ لم تكن أعمالها صالحة وأرادت أن تتوب عن غيّها وتعمل الصالحات في ذلك الوقت فلا تُقبَل توبتها (قُلِ) يا محمّد لهؤلاء المشركين (انتَظِرُواْ) حدوث تلك الآية حيث لا ينفع إيمانكم في ذلك اليوم (إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) موتكم كي نعذّبكم في عالم النفوس فأيّنا أجَله أقرب؟

159 - ولَمّا طال الجدال بين النبيّ والنصارى نزلت هذه الآية (إِنَّ الّذينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ) بسبب اختلافهم (وَكَانُواْ شِيَعًا ) أي مذاهب كثيرة وعقائد مُختلفة (لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) ، والمعنى : لستَ مسؤولاً عنهم وعن أعمالهم فتطيل الحديث معهم وتريد هدايتهم (إِنَّمَا أَمْرُهُمْ ) أي أمر هدايتهم (إِلَى اللّهِ ) إن شاءَ هداهم وإن لم يشأ تركهم على كفرهم (ثُمَّ يُنَبِّئُهُم ) يوم القيامة (بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) . كلّ جُملة في القرآن تأتي بلفظة " يُنَبِّئُهُم" معناها التأنيب فهي خاصّة بالكافرين أو المجرمين ، لأنّ الكافرين والمشركين لا يُحاسَبون بل يدخلون جهنّم بلا حساب ، ولكن تنبّئهم الملائكة بجرائمهم وكفرهم تأنيباً لهم وتبكيتاً بهم .

160 - ثمّ خاطبَ المسلمين فقال تعالى (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ ) منكم أيّها المسلمون (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) في الدنيا وسبعمائة في الآخرة (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) بالزيادة من العقاب على ما يستحقّونهُ .

161 - (قُلْ) لقومك يا محمّد (إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ ) أي طريقٍ (مُّسْتَقِيمٍ) ليس فيه مَيْلٌ عن الحقّ كما مالت اليهود والنصارى عن الاستقامة فغيّروا وبدّلوا في دينهم (دِينًا قِيَمًا ) جمع "قيّم" ، وتقديرهُ دِيناً لرُسُلٍ قيّمةٍ على أتباعها . ومِثلها في سورة البينة قوله تعالى {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } أي دين الرُسُل القيّمة ، جمع قيّم ، (مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ) أي شريعة إبراهيم (حَنِيفًا) أي موحِّداً (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .

162 - (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي ) أي عبادتي (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يعني صلاتي ونسكي لهُ عِبادةً ، وحياتي ومماتي بيدهِ مُلكاً .

163 - (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ) أي بعبادتهِ وحدهُ اُمِرتُ (وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) .

164 - ولَمّا دعَوا النبيّ إلى عبادة الأصنام نزلَ قولهُ تعالى (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا ) أي أطلبُ ربّاً (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ) من الآثام (إِلاَّ عَلَيْهَا ) عِقابها (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخرى ) يعني لا يُعاقَب أحدٌ بذنب غيره (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ ) يعني إلى عالم النفوس يكون مرجعكم بعد الموت فيعاقبكم على آثامكم (فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) من أمر دينكم وعبادتكم لغير الله .

165 - (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ ) أي جعلكم خلَفاً لمن كان قبلكم بأن أماتهم وأنشأكم من بعدهم وأورثكم أرضهم وديارهم (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) في دار الدنيا بالْمُلْك والنساء والأولاد والعِلم بأن أعطى بعضكم أكثر من بعض (لِّيَبْلُوَكُمْ) أي ليختبركم (فِي مَا آتَاكُمْ ) من الْمُلْك فيرى هل تشكرون على هذه النِعَم أم تكفرون (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ) للظالمين (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ ) للتائبين (رَّحِيمٌ) بالنادمين . تمّ بعون الله تفسير سورة الأنعام ، ويليها تفسير سورة الأعراف ، والْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِ

------------------------------------

68 :سماحة المؤلّف إذ يبيّن آراء المفسّرين فيما عرض ويعرض له ، إنّما ليدع للقارئ فرصة المشاركة والمقارنة ليكون على بيّنة ويتّبع الحقّ أنّى وجده . – المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة السورة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم