كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 86) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

86 - ثمّ ذكر المهاجرين منهم من بلدٍ إلى بلدٍ آخر فقال تعالى (وَإِسْمَاعِيلَ) بن إبراهيم وقد نقله أبوهُ إلى مكة مع اُمّهِ هاجَر وهو طفلٌ صغير (وَالْيَسَعَ) هو اليشع بن شافاط وصيّ النبيّ إيليّا وقد هاجرَ من جبل الكرمل إلى السامرة ، وقصّتهُ مذكورة في سِفر الملوك الثاني في الإصحاح الثاني وما بعده في مجموعة التوراة (وَيُونُسَ) هو يونان بن أمتاي وقد هاجر من أورشليم إلى نينوى ، ولهُ سِفر خاصّ في مجموعة التوراة بِاسْمِ يونان (وَلُوطًا) هو إبن هاران إبن أخي إبراهيم ، وقد هاجر مع إبراهيم من العراق إلى أرض كنعان (وَكُلاًّ) من هؤلاء الأنبياء الّذينَ سبق ذكرهم (فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ) أي أعطيناهم زيادة من الكرامةِ على غيرهم من الناس .

87 - (وَمِنْ آبَائِهِمْ ) أي آباء الأنبياء الّذينَ سبق ذكرهم (وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ) قوماً صالحين (وَاجْتَبَيْنَاهُمْ) أي اخترناهم لعبادتنا ولإصلاح عبادنا بالمواعِظ (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) أي إلى طريق الحقّ .

88 - (ذَلِكَ) الهُدى (هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ) أي من كان أهلاً للهداية بحُسن أخلاقهِ (وَلَوْ أَشْرَكُواْ ) هؤلاء الأنبياء والصالحون الّذينَ سبق ذكرهم (لَحَبِطَ) أي لبطلَ وضاعَ (عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) من أعمال صالحة ، والمعنى : لو أشركوا بالله شيئاً لذهبت أعمالهم أدراج الرياح ولم يؤجَروا عليها .

89 - (أُوْلَـئِكَ) الأنبياء (الّذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يعني أعطيناهم الكتب السماويّة والمواعظ الربّانيّة (وَالْحُكْمَ) بين الناس في أمور دينهم ودنياهم (وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ) أي بالنبوّة ، يعني فإن يكفرْ (هَـؤُلاء) قومك يا محمّد بنبوّتك ولم يؤمنوا بها (فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا ) أي بالقيام بنشرها وتصديقها وترغيب الناس لقبولها (قَوْمًا) مؤمنين (لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ) أي ليسوا بمنكرين لها ، وهم أصحاب النبيّ المؤمنون بهِ قاموا بنشر دين الإسلام .

90 - (أُوْلَـئِكَ) الأنبياء (الّذينَ هَدَى اللّهُ ) أي هداهم الله إلى طريق الحقّ (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) يا محمّد ، إي اقتدِ بنهجهم في التوحيد والعبادة إلى الله وادعُ الناس إلى عبادتهِ وأنذِرْهم عن معاصيهِ ، (قُل) لقومك يا محمّد (لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ) أي على قراءتي للقرآن وتبليغهِ لكم (إِنْ هُوَ ) أي القرآن (إِلاَّ ذِكْرَى ) يعني موعظة (لِلْعَالَمِينَ) أي للناس أجمعين .

91 - جاء نفرٌ من اليهود يخاصمون النبيّ (ع) ويسألونهُ فقال أحدهم : "هل أنزل الله عليك كتاباً ؟ " فقال النبيّ : "نعم" . قال اليهودي : "لم تنزل التوراة من السماء بل هيَ قراطيس كتب فيها آباؤنا الأحكام الشرعيّة من الحلال والحرام ورحلات بني إسرائيل وحروبهم مع أعدائهم وغير ذلك" . فنزلت هذه الآية في ذمّ اليهود (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) أي لم يعرفوا الله حقّ معرفته وما قدّروه حقّ قدرهِ (إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ) يعني من كتاب (قُلْ) يا محمّد لهم (مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى ) من جبل الطور ، أي من أنزل الألواح من الجبل الّتي كتبَ الله فيها التوراة لموسى والّتي يشعّ منها (نُورًا) لأنّ الله تعالى كتبها بقلم قُدرتهِ فكان النور ينبعث منها ، وهي نورٌ لمن يتقبّلها ويعمل بما فيها من واجبات (وَهُدًى لِّلنَّاسِ ) يهتدون بها إلى دينهم (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ ) أي تجعلون الكتاب قراطيس كتبها آباؤكم بزعمكم [والقراطيس] جمع قِرطاس ، هو الورق الّذي يُكتب فيهِ الكتاب ، (تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ) أي تُعلنون بأنّ التوراة هي قراطيس كُتِبَ فيها رحلات بني إسرائيل وحروبهم وتخفون عن محمّد أشياء كثيرة كُتِبَتْ في توراتكم ومن جملتها الألواح الّتي كتبها الله بقلم قدرتهِ ونزل بها موسى إلى قومهِ (وَعُلِّمْتُم) من القرآن من علوم في الدين والدنيا (مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ ) من التوراة (أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ ) كانوا يعلمونها (قُلِ اللّهُ ) أنزل التوراة على موسى والقرآن عليّ (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) أي اتركهم سيأتي يومٌ يُعاقَبون فيه بسبب خوضهم بالباطل .

92 - (وَهَـذَا) القرآن (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ ) على محمّد كما أنزلنا التوراة على موسى ، هو (مُبَارَكٌ) لأتباعهِ فيزدادون بسببهِ ويتكاثرون يوماً بعد يوم (مُّصَدِّقُ) رسالة محمّد (الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) الكتاب ، يعني أنزلنا القرآن مُصدّقاً لمحمّد الّذي بين يديه الكتاب بما فيهِ من أدلّة وبراهين تثبتُ صِدقهُ . ثمّ وجّه الخطاب إلى النبيّ فقال تعالى (وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) بهِ ، يعني لِتُنذِرَ أهل مكّة ومن سكنَ حولها بالقرآن (وَالّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) يعني المسلمين الّذينَ أيقنوا بوجود الأرواح والعالم الآخر (يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أي يُصدّقون بالقرآن ويوقنون بالعالم الثاني الّذي ينتقلون إليهِ بعد الموت (وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) أي يواظِبون .

93 - ونزل فيمن ادّعَى النبوّة باطلاً كمُسيلمة وغيره (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا ) بادّعائهِ النبوّة أو الرسالة (أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ ) من الله (وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ) من ذلك (وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ ) من آيات في القرآن ، ثمّ بيّنَ سُبحانهُ حال الماضين من هؤلاء الّذينَ ادّعَوا النبوّةَ باطلاً في بني إسرائيل فقال تعالى (وَلَوْ تَرَى ) يا محمّد حال هؤلاء الْمُفترين على الله الكذب بادّعائهم هذا (إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ) أي في سكرات الموت وشدائدهِ . "الغمرة" معناها الشِّدّة ، تشبيهاً بالغريق الّذي غمرتهُ مياه البحر ، ومن ذلك قول عنترة :

                                       يا عبلُ كم من غَمرةٍ باشَرتُها      بالنفسِ ماكادَتْ لَعَمْرُكِ تَنْجَلِي

وقال الفرزدق :
                                          ونَجَّى أبا الْمِنْهالِ ثانٍ كَأَنّهُ      يَدا سابِحٍ في غَمْرَةٍ يَتَذَرَّعُ

وجمع غَمْرة غمَرات ، ومن ذلك قول عنترة :

                                          من كلّ أرْوَعَ لِلكُماةِ مُنازِلٍ      ناجٍ منَ الغمَراتِ كالرِّئبالِ

(وَالْمَلآئِكَةُ) أي ملائكة الموت (بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ ) إلى الْمُستحضر منهم الّذينَ هم على فراش الموت ، يقولون لهم (أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ) من أجسامكم (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ) أي عذاب الهوان ، يعني الذلّ والإهانة ، ومن ذلك قول النابغة الذبياني :

                                       لا أَخذَعُ البَوّ بَوّ الزَعمِ أَرأَمُهُ      وَلا أُقيمُ بِدارِ العَجزِ وَالهُونِ

وقال ذو الإصبع العدواني :
                                        إذهبْ إلَيْكَ فَما اُمِّي بِراعِيَةٍ      تَرْعَى الْمَخاضَ ولا أُغْضِي عَلَى الْهُونِ

وقال الآخر :
                                          أَنّا وَجَدْنَا بِلَادَ اللّهِ وَاسِعَةً      تُنْجِي مِنْ الذّلّ وَالْمَخْزَاةِ وَالْهُونِ

(بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ) الكذب (غَيْرَ الْحَقِّ ) أي غير الحقيقة (وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) فلا تؤمنون بها بل تقولون لو نشاءُ لقلنا مثل هذا ، ثمّ لا تقولون .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم