كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 168) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

168 - (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ) أي فرّقناهم ليكونوا ذليلين (أُمَمًا) أي جماعات مختلفة في اللّغات منهم فُرس وعرب وتُرك وأكراد وغير ذلك (مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ) في أعمالهم (وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ) أي غير صالحين (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي عاملناهم بالخير مرّة وبالشرّ اُخرى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) عن كفرهم وغيّهم .

169 - (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ) يعني فذهب الآباء وقام الأبناء مقامهم (وَرِثُواْ الْكِتَابَ ) عن آبائهم وأجدادهم ، والكتاب هو التوراة ، والمقصود بذلك علماء اليهود (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى ) أي يأخذون المال رشوة في حكمهم للناس فيحكمون باطلاً لأجل المال الذي هو عَرَضٌ زائل في هذه الدنيا ، يقال في المثَل : "الدنيا عَرَضٌ حاضِر يأكلُ منه البَارُّ والفاجِر" ، (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) يعني يأخذون الرشوة ويحكمون باطلاً ثمّ يقولون سيغفر الله لنا هذه المرّة ولا نعود نأخذ رشوة من أحد ، ولكنّهم يكذبون على أنفسهم (وَإِن يَأْتِهِمْ ) في الغد (عَرَضٌ مُّثْلُهُ ) أي مِثل الذي جاءهم بالأمس من المال (يَأْخُذُوهُ) ولا يخشَون عقاب الله (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ ) يعني ألم تأخذ عليهم أنبياؤهم العهود وتشدّد عليهم المواثيق بأن يتّقوا الله في جميع أوامره ويحكموا بين الناس بالحقّ وتلك العهود والمواثيق مكتوبة عندهم في التوراة وهم يقرأونها ، ألم نأخذ عليهم الميثاق (أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ ) في الحكم بين الخصمَين ، فلماذا يحكمون باطلاً وهم قد قرأوا الكتاب (وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ) من أحكام وقوانين شرعية ، وقليل منهم يتّقون الله ولا يأخذون الرشوة (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) ولا يأخذون الرشوة (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) يا أحبار اليهود وتتركون الرشوة وتحكمون بالعدل ؟

170 - (وَالّذينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ ) يعني يتمسّكون بالتوراة وأحكامها فلا يحكمون باطلاً (وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ ) وآتَوا الزكاة وأصلحوا بين المتخاصِمين (إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) بل نُجازيهم على إصلاحهم خير الجزاء .

171 - (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) سبق تفسيرها في سورة البقرة في آية 63 و 93 .

172 - (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) العهود والمواثيق (مِن بَنِي آدَمَ 7) الماضين (مِن ظُهُورِهِمْ ) أي من ظهرانيهم يعني من أسلاف اليهود الّذينَ سبق ذكرهم ، واليهود الموجودون هم (ذُرِّيَّتَهُمْ) أي هم من ذرّية الظهور الماضين (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ) فقال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ ) أي قالت اليهود (بَلَى) أنت ربُّنا ، قال الله تعالى أتشهدون أنّي واحد لا شريك لي؟ قالوا (شَهِدْنَا) قال الله تعالى (أَن تَقُولُواْ ) يعني لئلّا تقولوا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) يعني عن التوحيد غافلين فلم نعلم أن لا شريك لك ولم يُفهمْنا أحد ، فإنّا أفهمناكم وعلّمناكم وأشهدناكم على أنفسكم .

173 - (أَوْ تَقُولُواْ ) يوم القيامة (إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ ) أي من قبلنا (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ) يعني وكنّا ذرّيتهم من بعدهم فتَعَلّمْنا الإشراك منهم ، فإنّنا وصّينا آباءكم أن يعلّموكم ويرشدوكم إلى التوحيد ونبذ الأصنام وتحطيمها أينما وُجِدَت ، فلا تقولوا (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) من آبائنا وأجدادنا ؟ والعهود قد أخذها عليهم أنبياؤهم بأمرٍ من الله وهيَ أن يعبدوا الله وحدهُ ولا يشرِكوا بهِ شيئاً من المخلوقين والمخلوقات وأن يوصي الآباء أبناءهم بذلك جيلاً بعد جيل لئلاّ ينسَوا العهود والمواثيق فيعبدوا غير الله . وإليك بعض العهود التي أخذها عليهم أنبياؤهم بذلك وأشهدهم على أنفسهم : فقد جاء في مجموعة التوراة في سِفر يشوع في الإصحاح الرابع والعشرين قال يشوع مخاطباً قومه : [وَإِذَا تَرَكْتُمُ الرَّبَّ وَعَبَدْتُمْ آلِهَةً غَرِيبَةً يَرْجعُ فَيُسِيءُ إِلَيْكُمْ وَيُفْنِيكُمْ بَعْدَ أَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ». فَقَالَ الشَّعْبُ لِيَشُوعَ: « لاَ. بَلِ الرَّبَّ نَعْبُدُ». فَقَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ: «أَنْتُمْ شُهُودٌ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ قَدِ اخْتَرْتُمْ لأَنْفُسِكُمُ الرَّبَّ لِتَعْبُدُوهُ». فَقَالُوا: «نَحْنُ شُهُودٌ». «فَالآنَ انْزِعُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي فِي وَسَطِكُمْ وَأَمِيلُوا قُلُوبَكُمْ إِلَى الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ». فَقَالَ الشَّعْبُ لِيَشُوعَ: «الرَّبَّ إِلهَنَا نَعْبُدُ وَلِصَوْتِهِ نَسْمَعُ». وَقَطَعَ يَشُوعُ عَهْدًا لِلشَّعْبِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَجَعَلَ لَهُمْ فَرِيضَةً وَحُكْمًا فِي شَكِيمَ. وَكَتَبَ يَشُوعُ هذَا الْكَلاَمَ فِي سِفْرِ شَرِيعَةِ اللهِ. وَأَخَذَ حَجَرًا كَبِيرًا وَنَصَبَهُ هُنَاكَ تَحْتَ الْبَلُّوطَةِ الَّتِي عِنْدَ مَقْدِسِ الرَّبِّ. ثمّ قَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «إِنَّ هذَا الْحَجَرَ يَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ لِئَلاَّ تَجْحَدُوا إِلهَكُمْ». 28ثُمَّ صَرَفَ يَشُوعُ الشَّعْبَ كُلَّ وَاحِدٍ إِلَى مُلْكِهِ." ]

174 - (وَكَذَلِكَ) أي كما فصّلنا الآيات لهؤلاء اليهود الّذينَ كانوا في زمن موسى ويوشع كذلك (نُفَصِّلُ الآيَاتِ ) لليهود المعاصِرين لك يا محمّد ليفكّروا بها (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عن غيّهم وعنادهم ويُسلموا .

175 - (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) أي إقرأ على اليهود يا محمّد أخبار الماضين المكتوبة في توراتهم لكي يفكّروا ويعتبروا ولا يكونوا مِثلهم فيخسروا ، ومن تلك الأنباء (نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ) وهو بلعام بن بَعور8 وكان رجلاً عالماً عابداً مُستجاب الدعوة وكان في زمن يوشع (فَانسَلَخَ مِنْهَا ) أي فانتُزِعت منه تلك الآيات بسبب خروجه من الطاعة إلى المعصية (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ) أي لَحِقَهُ الشيطان حتّى أغواه (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) بعد أن كان من العابدين المتّقين . فلا تكونوا مِثلهُ أيّها اليهود فتغوون الناس وتصدّونهم عن الإيمان بنبيٍّ يدعو إلى عبادة الله وحده وينهَى عن عبادة الأصنام .

------------------------------------

70 :تكرّر التحذير من أخذ الرشوة نظراً لأهمّيتها وتأكيد سماحة المفسّر لذلك له دلالة كبرى على خطرها ، كيف لا وفيها قال (فخرالعروبة) : "الراشي والمرتشي والرائش في النار ." - المراجع .

71 :وكان في مدين جليه بالاق من آرام .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم