كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 193) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

193 - ثمّ خاطبَ المسلمين فقال تعالى (وَإِن تَدْعُوهُمْ ) يعني تدعوا المشركين من أهل مكّة (إِلَى الْهُدَى ) الّذي أنتم عليه (لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ) إليه لإصرارهم على الكفر وعنادهم (سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ ) ونظيرها في سورة البقرة قوله تعالى {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } .

194 - كان بعض المشركين يصنعون تماثيل لملوكهم وؤسائهم فيقدّسونها ، وبعد مرور الأجيال يعبدها أولادهم إذ يزداد التقديس والتعظيم لها فتصبح عبادة ، كما هيَ الحالة عند المسيحيّين إذ أصبحوا يعبدون المسيح واُمّهُ ، وكذلك بعض فِرق الإسلام أصبحوا يعبدون المشايخ والأئمّة من دون الله . فنزلت فيهم هذه الآية (إِنَّ الّذينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ ) يعني تدعونهم لدفع الضرّ عنكم أو لجلب نفعٍ إليكم ، هم (عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) ولا فرق بينكم وبينهم في الخِلقة فهم غير قادرين على نفعكم بشيء ولا دفع الضرّ عنكم لأنّهم أرواح أثيريّة (فَادْعُوهُمْ) امتحاناً إلى شيء من ذلك (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) في دعواكم بأنّهم ينفعونكم ويضرّون . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ سبب عجزهم عن مُساعدةِ من يدعوهم ويستنجد بهم فقال :

195 - (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ) على الأرض كي يأتوا لمساعدتِكم ؟ كلّا أرجلهم أثيريّة لا تمشي على الأرض لأنّها مُصطفّة اليُمنى باليُسرى . وذلك قوله تعالى في سورة القيامة {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } ، (أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ ) ماديّة من لحم وعظام مثلكم ( يَبْطِشُونَ بِهَا ) أعداءكم ؟ كلّا فإنّ أيديهم أثيريّة لا يقدرون على شيء من المادّة ولا حمل شيء منها ولو كانت ريشة طائر ، (أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ) ؟ كلّا ليس لهم أعين ماديّة تقاوم أشعّة الشمس وحرارتها بل لهم أبصار تضجر من الشمس وأشعّتها (أَمْ لَهُمْ آذَانٌ ) ماديّة (يَسْمَعُونَ بِهَا ) ؟ كلّا ليس لهم آذان ماديّة تقاوم الأصوات العالية والضوضاء ، بل لهم أسماع أثيريّة لا تقاوم الضوضاء وتضجر منها (قُلِ) يا محمّد (ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ) ليساعدوكم على قتالي (ثُمَّ كِيدُونِ ) بما دبّرتم ضدّي من مكيدة (فَلاَ تُنظِرُونِ ) أي فلا تنتظرون إلى وقتٍ آخر إن أمكنكم ذلك . والمعنى : إنّ الله يُساعدني وينصرني عليكم فلا تقدرون على قتلي مهما دبّرتم ضِدّي ولو جاءت شركاؤكم معكم .

196 - فإن كنتم وَالَيتُم الموتى فَ (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ) أي القرآن (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) في اُمورهم وشؤونهم الدنيويّة والاُخرويّة .

197 - (وَالّذينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ) لأنّهم نفوس أثيريّة ( أرواح) ، (وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) إن أصابهم ما يكرهون .

198 - ثمّ خاطبَ المسلمين فقال تعالى (وَإِن تَدْعُوهُمْ ) يعني وإن تدعوا المشركين (إِلَى الْهُدَى ) الّذي أنتم عليه (لاَ يَسْمَعُواْ ) دُعاءكم لشدّةِ عنادهم (وَتَرَاهُمْ) يا محمّد (يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ) بأعينهم (وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) أي ليس لهم بصيرة فيفكّروا فيما تقول لهم ويعقلوا .

199 - (خُذِ) يا محمّد طريق (الْعَفْوَ) مع الناس ، يعني اُعفُ عمّن أساء إليك (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) العُرف بضمّ العين هو فعل الخير والإحسان إلى الناس ،
ومن ذلك قول الحُطيئة : مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بينَ اللهِ والناسِ فقول الشاعر " لا يَذْهَبُ العُرْفُ " يعني لا يذهب جزاء الإحسان ، وقد فسّرها الشاعر في الشطر الأوّل من البيت وهو قوله " مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ " ،
وقال الفرزدق ينعَى عبد العزيز : إنَّ الأرامِلَ والأيْتامَ قَدْ يَئِسُوا وطالِبِي العُرْفِ إذْ لاقاهُمُ الْخَبَرُ فقول الشاعر " وطالِبِي العُرْفِ " يعني طالبي الإحسان يئسوا من إحسانهِ لأنّهُ مات .
وقال حاتم الطائي : تَغَيَّرْتُ إنِّي غَيْرُ آتٍ لِرِيبَةٍ ولا قائِلٌ يَوْماً لِذِي العُرْفِ مُنْكَرَا
وقال حسّان : أَبَى فِعْلُنَا الْمَعْروفُ أنْ نَنْطِقَ الخَنَا وَقَائِلُنَا بِالعُرْفِ إلا تَكَلُّمَا
وقالت الخنساء : فَرُبّ عُرفٍ كُنتَ أَسدَيتَهُ إِلى عِيالٍ وَيَتامَى صِغارْ
ومعنى الآية : اُأمر الناسَ بالإحسان بعضهم لبعض كي يوسّع الله لهم الرزق ولا يكونوا بُخلاء فيقتّر الله عليهم معيشتهم (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) .

200 - لَمّا أمرهُ الله سُبحانهُ أن يأخذ فيهم طريق العفو عن إساءتهم وأن يُعرِض عن سُفهائهم أمَرهُ بعدها بالصبر والتجلّد وأن لا يثير غضبهُ الشيطان ، فقال تعالى (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ) "النزغ" أن تغري القوم بكلمات فتحمل بعضهم على بعض وتُلقي العداوة بينهم ، والمعنى : إذا وسوَسَ لك الشيطان وأثارَ غضبك عليهم (فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ ) من الشيطان ولا تغضب (إِنَّهُ سَمِيعٌ ) لدُعائك (عَلِيمٌ) بما يُصيبك .

201 - (إِنَّ الّذينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ ) أي أصابهم (طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ ) أي قِسم من إغواء الشيطان ، فالطائف مُذكّر والطائفة مؤنّث ، ومن ذلك قول الأعشى : وتُصْبِحُ مِنْ غِبِّ السُّرَى وكأنَّما أَلَمَّ بِها مِنْ طَائِفِ الجِنِّ أَوْلَقُ (تَذَكَّرُواْ) وعيد الله وعقابهُ فتركوا المعصية وندموا على ما صدرَ منهم (فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) للرُشد .

202 - (وَإِخْوَانُهُمْ) يعني إخوان الشياطين في الكفر والتكبّر ، ويريد بهم المشركين (يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ) يعني الشياطين يزيدون في إغواء الكافرين (ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ) في الزيادة من الإغواء .

203 - (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم ) يا محمّد (بِآيَةٍ) أي بمعجزة كما اقترحوا عليك (قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا ) من الله ، يعني قالوا لك لولا طلبتها من الله واخترتها فيُعطيك إن كنت نبيّاً (قُلْ) يا محمّد لهم (إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي ) وليس لي الاختيار في ذلك (هَـذَا) القرآن مُعجزتي فهو معجزة علمية ، وهو (بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ) لمن أراد أن يبصر طريق الحقّ (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) بربّهم وبرُسُلهِ .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم