كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 24) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

24 - (قَالَ) الله تعالى (اهْبِطُواْ) من الجبل إلى الأرض المنبسطة (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) جزاءً لعصيانكم ، فصار أولاد آدم بعضهم يُعادي بعضاً (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) أي بيوت تستقرّون فيها (وَمَتَاعٌ) تستمتعون بهِ من لباس وأثاث وحُلي وغير ذلك (إِلَى حِينٍ ) يعني إلى وقت مُعيّن ، وهو يوم موتكم تنفصلون من متاعكم هذا ، ويوم القيامة تنفصلون من الأرض وتصعدون إلى الفضاء حيث يكون المحشر ، لأنّ الأرض تتمزّق في ذلك اليوم وتكون قِطعاً صغيرة .

25 - (قَالَ) الله تعالى (فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) إلى الفضاء وأنتم في ذلك اليوم نفوس أثيريّة .

26 - ثمّ خاطب الله تعالى أولاد آدم فقال (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ) أي يسترُ عوراتكم ، واللّباس المذكور هنا هو لباسان أحدهما مادّي والآخر أثيري أي روحاني ، فالمادّي هو عامّ لجميع الناس ، أمّا الأثيري فهو خاصّ للأنبياء والأولياء والصالحين من الناس وذلك بعد الموت ، لأنّ الإنسان إذا مات خرجت النفس من الجسم وهي عُريانة فإن كانت من الصالحين أنزلت لَها الملائكة ثوباً من السماء تلبسهُ وتستر بهِ عورتها . أمّا اللّباس المادّي فهو من صوف الغنم ووبر الإبل تُصنع منها ثياب وألبسة بعد الغزل والنسج ، وإنّما قال الله تعالى (قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ ) لأنّ الأنعام نزلت من الجبل الذي خلق الله تعالى فيه آدم وحوّاء ، ولَمّا نزل آدم من ذلك الجبل إلى الأرض المنبسطة نزلت تلك الأنعام إلى الأرض المستوية لأنّ المياه جفّت فوق الجبل والنباتات يبست فلم يبقَ للأنعام ما تأكل وتشرب ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الزمر {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ..الخ } أي أنزلها من الجبل ، ثمّ اتّخذ الناس من أصوافها لباساً وأثاثاً . وقوله (وَرِيشًا) يُريد بهِ الأفرشة والأثاث التي تُصنع من الصوف والشعر والوبر ، ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة النحل {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } . والشاهد على ذلك قول الخنساء : أبْلِغْ مَوالِيَهُ فَقَدْ رُزِئوا مولىً يَرِيشُهُمُ ولا يَشْرِي أي ولا يأخذ بدلاً عن الأرياش ، وقال الآخر : ورِيشِي مِنْكُمُ وهَوَايَ مَعْكُمْ وإنْ كانَتْ زِيارَتُكُمْ لِمامَا وقال الآخر : فرِشْني بخيرٍ طالَما قَدْ بَرَيْتَنِي فَخَيْرُ الْمَوالِي مَنْ يَرِيشُ ولا يَبْرِي وكذلك الطيور نزلت من ذلك الجبل فاتّخذ الناس من ريشها مقاعد ومساند ومراوح وغير ذلك ، (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ) أي وأنزل لكم لباساً تتّقون بهِ ضرب عدوّكم ، وهي الدروع والمجنّ والخوذ المصنوعة من الحديد ، والمعنى : أنزل عليكم الحديد فاتّخذتم منه دروعاً تتّقون بِها ضرب عدوّكم وتحميكم من القتل ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الحديد {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } . وتعليل ذلك أنّ في الفضاء نيازك تدور حول الأرض كما يدور القمر وقد يسقط بعضها أحياناً على الأرض فيجد الناس في تلك النيازك قِطعاً من الحديد الطلق فيأخذونهُ ويعملون منهُ دروعاً وآلات اُخرى ، لأنّ الناس كانوا قبلاً لا يعرفون تعدين الحديد من خاماتهِ ولا يوجد الحديد طليقاً على وجه الأرض لشدّةِ اتّحادهِ بالأوكسجين لذلك كانوا يُفتّشون عنه في النيازك الساقطة من الفضاء ، وإنّما يوجد الحديد طليقاً في النيازك لأنّ الأوكسجين قليل في الطبقة التي فيها النيازك ، أمّا قوله تعالى (ذَلِكَ خَيْرٌ ) أي لباس التقوى خيرٌ لكم من الريش لأنّهُ يصونكم من الضرب ويحرسكم من القتل (ذَلِكَ) الحديد والنيازك (مِنْ آيَاتِ اللّهِ ) أي من عجائبهِ وإتقان مصنوعاته وهي النيازك تسير فوقنا كالسحاب ولا تسقط مع أنّها أجرام ثقيلة ، وقد شرحتُ عنها في كتابي الكون والقرآن شرحاً وافياً ، وقوله (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) أي يتّعظون إذا عرفوا هذهِ النِّعَم وفكّروا فيها تكفيهم دلالةً على أنّ الله واحد لا شريك لهُ ، وأنّ الأصنام لا قدرةَ لها على شيء من ذلك .

27 - (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ) بحُبِّ الدنيا فتخسروا الآخرة ، يعني لا تتّبعوا الشيطان إذا حبّبَ إليكم الدنيا وزيّنها في قلوبكم فحينئذٍ تتمسّكون بالدنيا ولا تعملون لآخرتكم فتخسروها (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم ) بوسوستهِ (مِّنَ الْجَنَّةِ ) بعد أن حبّبَ إليهما شجرة العلّيق وحسّنَ لهما أكلَ توتها فخَسِرا الجنّة (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ) بمكرِه وخديعتهِ (لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ ) أي الشيطان (يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ) يعني هو وما شاكلهُ من المخلوقات الروحانيّة (الأثيريّة) ، (مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) يعني من جهةٍ لا ترَونهم لأنّهم روحانيّون شفّافة أجسامهم كالهواء ، ومن جهة اُخرى يُمكن رؤيتهم إذا جسّدوا أنفسهم ، أمّا الأحياء من الجنّ يمكنها أن ترينا أشكالها بعد التمهيد ، والملائكة بعد التجسيد . فإنّ الجنّ كانوا يحضرون مجلس سُليمان فيراهم ويكلّمهم ويأمرهم فيعملون لهُ ، وإنّ الملائكة جاؤوا إلى إبراهيم الخليل وبشّروهُ بالولد وقدّمَ لهم الطعام فلم يأكلوا ، ثمّ ذهبوا إلى لوط فرآهم وكلّمهم وكلّموهُ ، وإنّ جبرائيل رأتهُ بعض الأنبياء ورأتهُ مريم بنت عمران حين كانت تغتسل فكلّمتهُ وكلّمها . ولكن الأموات من الجنّ لا يمكن رؤيتها لأنّها نفوس بلا أجسام ، فالشياطين هم من أموات الجنّ فلا يمكن رؤيتها ، وكذلك أموات البشر أي النفوس لا يمكن رؤيتها إلاّ في المنام أو بعد موت الإنسان فيصبح روحانيّاً مثلهم فحينئذٍ يرى الجميع من الملائكة والجنّ والشياطين والنفوس البشريّة وأرواح الحيوانات وأرواح الطيور (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) بالرُسُل ، ومن أصبح عدوّهُ والياً عليهِ فكيف يكون حاله !

28 - ثمّ بيّن الله تعالى بعض مساوئ المشركين من العرب فقال (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ) وذلك عند طوافهم بالبيت ، فكانوا يطوفون عُراةً فتبدو عوراتهم ، يقولون نطوف عُراةً كما ولدتنا اُمّهاتنا ولا نطوف بالثياب الّتي اقترفنا فيها الذنوب ، وكانوا يعملون شيئاً من سيور مُقطّعة يشدّونها على حقوَيهم يُسمّى "حوفاً " وإن كان من صوف يُسمّى "رهطاً " وكانت المرأة تضع على فرجها النِسعَة فتقول : الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ تعني بذلك فرجها ، وكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء يَطُفنَ باللّيل . والمعنى : إذا فعلوا فاحِشةً ونُهوا عنها (قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا ) فإن قيل لهم من أين أخذها آباؤكم ؟ قالوا (وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا ) فردّ الله عليهم قولهم فقال تعالى (قُلْ) لهم يا محمّد (إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) من كتاب سماوي بل تسيرون على التقليد . أقول لا تعجب أيّها القارئ الكريم من تلك العادات ومن هاتيك النساء الّلاتي يطُفنَ حول الكعبة عاريات ، فقد أصبحت اليوم نساء العالَم يطُفنَ بالشوارع والأزقّةِ مُستهتِرات ويسبحنَ في الأنهُرِ والبحار مع الرجال عاريات ويضعنَ على فروجهنّ شِمالاً بدل الحوفة والرهط ، ولسان حالهنّ يقول : اليوم يبدو بعضهُ أو كلّهُ . فالمرأة الجاهليّة إن كانت تطوف ليلاً بانعزال عن الرجال فقد أصبحت المرأة المتمدّنة تسبحُ نهاراً في البحيرات مع الرجال وهي عريانة إلاّ من لباسٍ قصير مُعدّ للسباحة ، وهذا بعد إنزال الكتُب السماويّة وأمرِ الله فيها بالتستّر والحجاب وبعد إرسال الرُسُل بالحِكمةِ والخطاب وبعد أن ادّعت الناس بالتمدّن ودرست شتّى العلوم ، وإذا سألتهم عن هذه العادات الّتي أخذوها قال لسان حالهم لم نجد عليها آباءَنا بل نحنُ أحدثناها وإنّ الله لم يأمرنا بها بل نحن ابتدعناها خلاف ما أمرنا الله بهِ من حجاب واتّخذنا عادات سيّئة بخلاف ما أوصتنا بهِ رُسُلنا وعملنا بهوى أنفسنا . فأيُّ الفريقين أعجب عادةً وأسوء أخلاقاً أبناء الجاهليّة أم أبناء التمدّن ؟

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم