كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 41) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

41 - (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ ) أي لهم فِراش من جمرها وحصبائها (وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ) جمع غاشية ، وهي العذاب من دخانها ولهبها والسوائل الّتي تغلي تغشاهم فلا يرَون شيئاً غيرها ، ومن ذلك قولهُ تعالى في سورة العنكبوت {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } أي يغمرهم العذاب ويُغطّيهم ، وقال جرير :
لَقَدْ لاحَ وَسْمٌ مِنْ غَوَاشٍ كَأنَّها الثْ ==== ثُرَيَّا تَجَلَّتْ مِنْ غُيُومٍ نُجُومُهَا
يقول الشاعر لقد لاحت لي علامة واضحة كالثريّا من بين السحاب تبدو نجومها ، وهذه العلامة بدت من بين غيوم سوداء مُظلمة مُتراكمة لا يكاد الإنسان يرَى شيئاً في تلك الظُلمة ، فالغواشي أرادَ بها الشاعر الغيوم السوداء الْمُظلمة . والبيت كلّهُ تعبير عن أمرٍ كان مُبهماً عليهِ ثمّ اتّضحَ لهُ . (وَكَذَلِكَ) أي كما جازينا هؤلاء بالعذاب كذلك (نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) الّذينَ يأتون بعدهم .

42 - لَمّا بيّنَ سُبحانهُ ما أعدّهُ للمشركين في الآيات السابقة عقّبهُ ببيان ما أعدّهُ للمؤمنين فقال تعالى (وَالّذينَ آمَنُواْ ) باللهِ ورسولهِ (وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ) في الدنيا (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا ) منهم (إِلاَّ وُسْعَهَا ) يعني إلاّ قدر طاقتها وتمكّنها (أُوْلَـئِكَ) المؤمنون (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .

43 - (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ) أي من حِقدٍ (تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا ) إلى طريق الحقّ فوصلنا (لِهَـذَا) النعيم الّذي نحنُ فيهِ الآن (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ ) إلى طريق الحقّ (لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ) إليهِ بفضلهِ وألطافهِ علينا (لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ) أي بدِين الحقّ وقول الحقّ حيث وجدنا ما وعدونا بهِ من الجنّةِ ونعيمها فكان كلامهم صِدقاً لا خلاف فيهِ (وَنُودُواْ) من الله (أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ ) الّتي وعدناكم بها في الدنيا (أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) من أعمال صالحة . وإنّما قال تعالى (أُورِثْتُمُوهَا) لأنّ مال الكافرين يكون إرثاً للمؤمنين ، وهو الأثيري منهُ لا المادّي . قال النبيّ (ع) : "من مات فقد قامت قيامتهُ ." ثمّ بيّنَ سُبحانهُ ما جرى من سؤال وجواب بين المؤمنين والكافرين فقال :

44 - (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ) وذلك قبل دخولهم فيها قائلين لهم (أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا ) من الثواب (حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ ) من العقاب (حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ ) وجدنا كما أخبرتنا بهِ رُسُلُهُ (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) أي بين المؤمنين والكافرين ، وهو نبيّهم ، قائلاً (أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) .

45 - (الّذينَ يَصُدُّونَ ) الناس (عَن سَبِيلِ اللّهِ ) يعني عن دينهِ وطريقهِ ويمنعونهم من اتِّباع رسولهِ (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ) يعني غايتهم اعوجاج الحقيقة وإرجاعهم إلى عقائدهم الباطلة (وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ) أي مُنكرون للبعث والحساب .

46 - (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) يعني بين أهل الجنّة وأهل النار حجاب ، وهو سور يسمّى سور الأعراف ، وذلك قوله تعالى في سورة الحديد {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ } ، وكلّ مُرتَفَع من الأرض يُسمّى أعراف لأنّهُ يُعرّفك الطريق ،
ومن ذلك قول الشمّاخ : وَظَلَّتْ بِأَعْرافٍ تُعالِي كَأَنّهَا رِماحٌ نَحَاهَا وِجهةَ الرُّمْحِ راكِزِ
وقال الآخر : كُلُّ كِنَازٍ لَحْمُهُ نِيَافِ كَالعَلَمِ الْمُوفِي عَلَى الأَعْرافِ
وقال جرير : أَلا حَيِّيا الأَعرافَ مِن مَنبِتِ الغَضا وَحَيثُ حَبا حَوْلَ الصَريفِ الأَجارِعُ
(وَعَلَى الأَعْرَافِ ) أي وعلى ذلك السور المسمّى بسور الأعراف (رِجَالٌ) هُداة ، وهم الأنبياء والرُسُل (يَعْرِفُونَ كُلاًّ ) من المؤمنين والكافرين (بِسِيمَاهُمْ) أي بعلامات تبدو على وُجوههم (وَنَادَوْاْ) الرجالُ الّذينَ هم على الأعراف ، نادَوا (أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) الّذينَ لا يزالون في المحشر ، فقالوا لهم (أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ) وهذهِ بشارة لهم بأنّهم سلموا من جهنّم وسيدخلون الجنّة عن قريب . ثمّ أخبرَ سُبحانهُ بأنّ هذا السلام يكون لهم قبل دخول الجنّة فقال (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) في دخولها لِما رأوا من علائم الخير والبشارة لهم من الملائكة والسلام من الأنبياء .

47 - (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ ) أي أبصار أهل الجنّة قبل دخولهم فيها (تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ ) أي نحوهم ،
ومن ذلك قول الحارث بن هشام : وشَمَمْتُ رِيحَ الْمَوْتِ مِنْ تِلْقائِهمْ في مَأزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ
( قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .

48 - (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ ) أي الأنبياء والهُداة الّذينَ هم على السور ، نادَوا (رِجَالاً) من المشركين والكافرين الّذينَ هم بالمحشر (يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ) أنّهم كافرون (قَالُواْ) أي قال الهُداة للكافرين (مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ) أي لم ينفعكم جمعكم اليوم ولم يدفع عنكم شيئاً من عذاب الله ،
ومن ذلك قول عنترة : وكمْ أبْكِي علَى إلْفٍ شَجَانِي وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَوِيلُ
(وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) في دار الدنيا على الأنبياء وعلى المؤمنين .

49 - ثمّ تشير الأنبياء إلى المؤمنين الّذينَ هم في المحشر ، مُخاطبين بذلك الكافرين ، قائلين (أَهَـؤُلاء الّذينَ أَقْسَمْتُمْ ) عليهم في دار الدنيا وقلتم (لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ) لأنّهم تركوا عبادة الأصنام وكفروا بِها ؟ فاليوم نقولُ لهم (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) أي لا خوفٌ عليكم من النار ولا تحزنون على فراق الجنّة .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم