كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 49) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

49 - ثمّ تشير الأنبياء إلى المؤمنين الّذينَ هم في المحشر ، مُخاطبين بذلك الكافرين ، قائلين (أَهَـؤُلاء الّذينَ أَقْسَمْتُمْ ) عليهم في دار الدنيا وقلتم (لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ) لأنّهم تركوا عبادة الأصنام وكفروا بِها ؟ فاليوم نقولُ لهم (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) أي لا خوفٌ عليكم من النار ولا تحزنون على فراق الجنّة .

50 - (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) بعد أن دخلوها (أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ ) من الفواكه والأطعمة (قَالُواْ) أي قال أصحاب الجنّة (إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ) .

51 - (الّذينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ ) أي نتركهم في النار (كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا ) أي كذّبوا بيوم القيامة وأهملوا أمرهُ حتّى نسُوهُ (وَمَا) أي وكما (كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) أي كما كانوا لآياتنا ومعجزاتِ رُسُلنا يُنكرون .

52 - ثمّ سأل أهل الجنّة الّذينَ هم بالمحشر سألوا الأنبياء عن أهل النار الّذينَ هم في المحشر فيقولون هل أرشدتموهم وعلّمتُموهم وذكّرتُموهم بهذا اليوم كما أرشدتُمونا كي يؤمنوا كما آمنّا؟ فقالوا بلى أرشدناهم وذكّرناهم (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ ) أيضاً من عند الله (فَصَّلْنَاهُ) لهم ، أي قرأناه لهم وبيّنّا لهم أحكامهُ على التفصيل وكان نهجه (عَلَى عِلْمٍ ) من الله وليس نهجهُ موضوعاً على جهلٍ فهو (هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ولكنّهم كذّبوا بهِ واستكبروا واغترّوا بكثرة أموالهم وعددهم .

53 - ثمّ استنكر الله تعالى امتناع المشركين عن الإيمان بالبعث وبعالم النفوس مع كثرة الأدلّة والبراهين على وجود الأرواح فقال (هَلْ يَنظُرُونَ ) أي هل ينتظرون (إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ) يعني إلاّ كشف حقيقة البعث وعالم النفوس فحينئذٍ يؤمنون حيث لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت . فالتأويل هو إظهار الحقيقة وكشف ما التبس علمُه على الإنسان ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة يوسف حاكياً عن الكهنة قولهم {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } ، يعني بكشفِ حقيقة الأحلام بعالمين ، وقال الأعشى : اُؤَوِّلُ الحُكْمَ علَى وَجْهِهِ ليسَ قَضَائِي بِالهَوَى الجائِرِ (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ) يعني يوم يأتيهم الموت تنكشف لهم عن الحقيقة فحينئذٍ (يَقُولُ الّذينَ نَسُوهُ ) أي الّذينَ انشغلوا بالدنيا فنسُوا الموت (مِن قَبْلُ ) يعني من قبل موتهم كانوا مشغولين بالدنيا ولَمّا ماتوا ورأوا ملائكة الموت بأبصارهم قالوا (قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ) ولكن كذّبناهم وسخرنا منهم والآن عرفنا أنّهم على حقّ (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا ) عند الله (أَوْ نُرَدُّ ) إلى الدنيا (فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) فقال اللهُ تعالى (قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ ) لأنّهم أوقعوها في العذاب (وَضَلَّ عَنْهُم ) أي ضاعَ وذهبَ عنهم (مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) أي ما كانوا يكذبون به على أنفسهم من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله .

54 - ثمّ احتجّ سُبحانهُ على المشركين بمخلوقاتهِ فقال (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) أي الكواكب السيّارة ومن جُملتها الأرض ، ثمّ بيّن المدّة الّتي خلق فيها هذه الأجرام فقال (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) من أيّام الآخرة ، وكلّ يوم مقابل ألفِ سنةٍ من سنيّنا ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الحـجّ {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } . (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) لقد بيّنتُ في كتابي الكون والقرآن عن العرش و السماوات مُفصّلاً (يُغْشِي اللّيل النَّهَارَ ) أي يسترهُ ويُغطّيهِ بظلامهِ (يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ) أي يدور حولهُ بسرعة ويُلاحِقهُ ، وذلك لأنّ الظلام يعمّ الفضاء ، والنور من الشمس ولولاها لم يكن نهار ، ولذلك قال تعالى يطلبهُ حثيثاً ، أي يَسري اللّيل خلف النهار ويُلاحقهُ أينما سار ،
ومن ذلك قول الخنساء : أعينيّ هلا تَبْكِيانِ علَى صَخْرٍ بِدَمْعٍ حَثيثٍ لا بَكيءٍ ولا نَزْرِ
وقالت أيضاً : ولَوْ نادَيْتَهُ لأتاكَ يَسعَى حثيثَ الرّكضِ اوْ لأتاكَ يَجرِي
وقال علقمة يصف جوادهُ : فأتبعَ أدبارَ الشِّياهِ بِصادِقٍ حَثِيثٍ كَغَيْثِ الرَّائِحِ الْمُتَحَلِّبِ
(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) أي جارياتٍ في أفلاكهنّ بتدبيرهِ (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ ) وليسَ لغيره شيءٌ منها ، والمعنى : هو خالق الخلق لم يُشاركهُ أحد في مخلوقاتهِ ولم يُساعده على خلقتها أحد ولم يُشاور في تكوينها أحداً ، بل خلقها بعلمهِ وكوّنها بقدرتهِ وأنشأها بتدبيرهِ (وَ) لهُ (الأَمْرُ) في إبقائها أو نقلها أو تدميرها لا مُعارضَ لهُ يفعلُ ما يشاء (تَبَارَكَ اللّهُ ) أي أكثرَ اللهُ من مخلوقاتهِ في الكون ، ذلك (رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ، فكلمة "تبارك" معناها تكاثرَ ، والبركة هي الكثرة ، وهذه صِفة لأفعالهِ تعالى وليس صِفة لذاتِهِ ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة ق {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا } ، يعني مكثِّراً للزرع .

55 - (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) أي مُتضرّعين جهراً ومُتذلّلين سرّاً (إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) بالدُّعاءِ على الناس بالشرّ .

56 - (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ ) بالاعتداء على الناس بإتلاف زرعهم أو قطع أشجارهم أو إضرارهم بشيء آخر (بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ) بالزرع وكثرة الأشجار والأنهار (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) أي ادعوهُ في حالة الخوف من عدوٍّ أو من وحش إو غير ذلك ، وفي حالة الطمع بإنزال المطر أو بإدرار الرزق أو طلب الولد أو المال أو غير ذلك ، ولا تدعوا على الناس بإهلاكهم وإضرارهم (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ ) منالُها (مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) الّذينَ يُحسنون إلى الناس وخاصّةً إلى المساكين والضُعفاء ، وبعيدة رحمتهُ من الظالمين .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم