كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنفال من الآية( 29) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

29 - (يِا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ ) معاصي (اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) أي يجعل لكم بصيرةً ونوراً تُفرِّقون بهما بين الخيرِ والشرِّ لئلّا تقعوا فيه (وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) ما مضَى من ذنوبكم (وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) على عبادهِ المؤمنين .

30 - نزلت هذه الآية في حادثة دار الندوة ، وذلك أنَّ رؤساء قريش اجتمعوا في دار قُصي بن كِلاب وتآمروا في إهلاك النبيّ (ع) فقال عروة بن هشام نتربّص بهِ ريب المنون ، وقال البحتري أخرجوهُ عنكم تستريحوا من أذاهُ ، وقال أبو جهل ما هذا برأي ولكن اقتلوهُ بأن يجتمع عليه من كل بطنٍ رجُل فيضربوهُ بأسيافهم ضربة رجل واحد ، فيرضى حينئذٍ بنو هاشم بالدية . فاتفقوا على هذا الرأي وأعدّوا الرجال والسلاح . وجاء جبرائيل وأخبر رسول الله بذلك ، فخرج من داره إلى الغار ومعهُ أبو بكر ، وأمرَ علياً فباتَ على فراشهِ ، وأرسل الله تعالى حمامة فباضت عند باب الغار وجاء العنكبوت وسدّى نسجهُ على باب الغار ، فلمّا أصبحوا وفتّشوا الفراش وجدوا عليّاً ، فقالوا اين محمّد؟ فقال لا أدري ، فاقتصّوا أثَرهُ وأرسلوا في طلبهِ فلمّا وصلوا جبل ثور ومرّوا بالغار رأوا على بابهِ نسج العنكبوت وبيض الحمامة ، فقالوا لو كان هنا لم يبق نسج على باب الغار بل لتمزّق . فمكث النبيّ في الغار ثلاثة أيّام ومعه أبو بكر وبعدها هاجرا إلى المدينة ، وكانت بنت أبي بكر تراقبهما وتأتيهما بما يحتاجان إليهِ من طعام وشراب . الآية (وَإِذْ) تقديرهُ واذكُرْ يا محمّد نِعمة ربّك عليك إذ (يَمْكُرُ بِكَ الّذينَ كَفَرُواْ ) من قُريش (لِيُثْبِتُوكَ) أي ليحبسوك ويُقيّدوك (أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) من مكّة إلى بلدٍ آخر (وَيَمْكُرُونَ) بك جهلاً منهم وعناداً (وَيَمْكُرُ اللّهُ ) بهم (وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) بأن جعل ما أرادوهُ بك وقع بهم وشرّهم عادَ عليهم فمكّنكَ الله منهم فقتلتَهم وأسَرتَهم .

31 - (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ ) أي قال المشركون (قَدْ سَمِعْنَا ) مِثلها في قِصص الماضين (لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا ) القرآن (إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ) سطروها في الكتب . فردَّ الله عليهم فقال تعالى [في سورة الطور ] {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ } بقولهم (لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا ) . فلمّا عجزوا عن الإتيان بمثلهِ قالوا :

32 - (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا ) القرآن (هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ) أرسلتَهُ إلى محمّد (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء ) كما أمطرتَها على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل (أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) كما أتيتَ قوم صالح . فقال الله تعالى مخاطباً رسوله :

33 - (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ ) مُقيمٌ (فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ ) في الماضي (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) فيقولون غُفرانك ربّنا . والمعنى : لا نعذّبهم اليوم لأنّك مُقيم بينهم ولا أنزلنا عليهم عذاب الاستئصال في الماضي لأنّهم يستغفرون ولأنَّ البيت جعلناهُ أماناً للناس فلا يليق بنا أن ننزّل فيه العذاب .

34 - (وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ ) بأيديكم بدل عذاب الاستئصال (وَهُمْ يَصُدُّونَ ) أولياءهُ (عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ ) هؤلاء المشركون (أَوْلِيَاءهُ) أي أولياء المسجد وإن سعَوا في عمارتهِ (إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) الحقيقة .

35 - (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً ) "المكاء" هو الصفير ، ومن ذلك قول عنترة : وحَلِـيلِ غَانِيةٍ تَرَكْتُ مُجـدّلاً تَمكُوْ فَريِصَتُهُ كَشَدْقِ الأَعْلَـمِ و"التصدية" هي التصفيق ، ومنه صوت الصدى في الجبال ونحوها ، والمعنى : لم يكن لهؤلاء المشركين صلاةٌ في البيت الحرام إلاّ الصفير والتصفيق بالأيدي ومع ذلك يطوفون عُراة (فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) .

36 - (إِنَّ الّذينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ ) الناس (عَن سَبِيلِ اللّهِ ) يعني عن دينهِ والطريق المؤدّي إليهِ (فَسَيُنفِقُونَهَا) ولا يُجزَون عليها (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ) لأنَّ أموالهم تذهب وغايتهم لا تحصل فيندمون (ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) في الحرب .

37 - (وَالّذينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) أي يُجمَعون . وإنمّا أعادَ قوله تعالى (والّذينَ كفَرُوا ) ، لأنَّ جماعة ممن أنفقوا أسلموا بعد ذلك فخصَّ منهم من مات على كفرهِ بوعيد الآخرة . وفي هذه الآية حثٌّ للمسلمين على الإنفاق في سبيل الله . ثمّ قال تعالى :

38 - (لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) يعني ليميّز البخيل من الكريم بالإنفاق والأعمال ، فالخبيث هو البخيل ، والطيّب هو الكريم (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ ) أي البخيل (بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ) يعني يجعلهم مُتراكمين بعضهم على بعض (فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ ) البُخلاء (هُمُ الْخَاسِرُونَ ) خسروا الدنيا والآخرة ، لأنَّهم تركوا أموالهم لغيرهم يتنعّمون بها ، ولم ينفقوا منها في سبيل الله ليجدوها في الآخرة .

39 - (قُل) يا محمّد (لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ ) عن قتالك ويُسلِموا (يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ) يعني اغفر لهم ما سلف منهم معك من أذى (وَإِنْ يَعُودُواْ ) لقتالك (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ ) بالنّصر للمؤمنين وإهلاك الكافرين كما نصرنا موسى وقومه وأهلكنا فرعون وجندهُ . (وَقَاتِلُوهُمْ) أي وقاتلوا المشركين إن أصرّوا على كفرهم وإشراكهم (حَتَّى) معناها كي (لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) منهم في الناس ، يعني كي لا يفتِنوا الناس بإغوائهم وبصدّهم عن دين الإسلام (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) في المستقبل بأن ينصر المسلمين فيزداد عددهم ويُهلك المشركين فتخلو الأرض منهم (فَإِنِ انتَهَوْاْ) عن قتالكم وعن إشراكهم (فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فيخبرُ رسولهُ إن خانوا العهد معكم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم