كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنفال من الآية( 35) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

35 - (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً ) "المكاء" هو الصفير ، ومن ذلك قول عنترة : وحَلِـيلِ غَانِيةٍ تَرَكْتُ مُجـدّلاً تَمكُوْ فَريِصَتُهُ كَشَدْقِ الأَعْلَـمِ و"التصدية" هي التصفيق ، ومنه صوت الصدى في الجبال ونحوها ، والمعنى : لم يكن لهؤلاء المشركين صلاةٌ في البيت الحرام إلاّ الصفير والتصفيق بالأيدي ومع ذلك يطوفون عُراة (فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) .

36 - (إِنَّ الّذينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ ) الناس (عَن سَبِيلِ اللّهِ ) يعني عن دينهِ والطريق المؤدّي إليهِ (فَسَيُنفِقُونَهَا) ولا يُجزَون عليها (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ) لأنَّ أموالهم تذهب وغايتهم لا تحصل فيندمون (ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) في الحرب .

37 - (وَالّذينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) أي يُجمَعون . وإنمّا أعادَ قوله تعالى (والّذينَ كفَرُوا ) ، لأنَّ جماعة ممن أنفقوا أسلموا بعد ذلك فخصَّ منهم من مات على كفرهِ بوعيد الآخرة . وفي هذه الآية حثٌّ للمسلمين على الإنفاق في سبيل الله . ثمّ قال تعالى :

38 - (لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) يعني ليميّز البخيل من الكريم بالإنفاق والأعمال ، فالخبيث هو البخيل ، والطيّب هو الكريم (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ ) أي البخيل (بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ) يعني يجعلهم مُتراكمين بعضهم على بعض (فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ ) البُخلاء (هُمُ الْخَاسِرُونَ ) خسروا الدنيا والآخرة ، لأنَّهم تركوا أموالهم لغيرهم يتنعّمون بها ، ولم ينفقوا منها في سبيل الله ليجدوها في الآخرة .

39 - (قُل) يا محمّد (لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ ) عن قتالك ويُسلِموا (يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ) يعني اغفر لهم ما سلف منهم معك من أذى (وَإِنْ يَعُودُواْ ) لقتالك (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ ) بالنّصر للمؤمنين وإهلاك الكافرين كما نصرنا موسى وقومه وأهلكنا فرعون وجندهُ . (وَقَاتِلُوهُمْ) أي وقاتلوا المشركين إن أصرّوا على كفرهم وإشراكهم (حَتَّى) معناها كي (لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) منهم في الناس ، يعني كي لا يفتِنوا الناس بإغوائهم وبصدّهم عن دين الإسلام (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) في المستقبل بأن ينصر المسلمين فيزداد عددهم ويُهلك المشركين فتخلو الأرض منهم (فَإِنِ انتَهَوْاْ) عن قتالكم وعن إشراكهم (فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فيخبرُ رسولهُ إن خانوا العهد معكم .

40 - (وَإِن تَوَلَّوْاْ) عن الإسلام ولم ينقادوا لهُ وأصرّوا على قتالكم (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ) أي مُتولّي أموركم (نِعْمَ الْمَوْلَى) لكم أيُّها المسلمون (وَنِعْمَ النَّصِيرُ) .

41 - (وَاعْلَمُواْ) أيُّها المسلمون (أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ) من أموال المشركين في الحرب . ويدخل في هذه الآية كلّ غنيمة من الأموال إذا كان كثيراً ومقداره من خمسين ديناراً فما أكثر من ذلك ، ويشمل كلّ ربح ليس فيه تعب ، مثلاً إذا اشتريتَ سلعة بمائتي دينار ثمّ بعتها بعد أيّام بمائتين وخمسين ديناراً فقد ربحتَ بِها خمسين ديناراً فيجب عليك أن تخرج من هذه الخمسين عشرة دنانير وتنفقها ، أو وجدت آثاراً وبعتها بمائة دينار فيجب أن تخرج منها عشرين ديناراً ، أو وجدتَ منجماً لأحد المعادن وأخذت امتيازاً من الحكومة باستخراج المعدن منه أو استأجرته ثمّ استخرجت المعدن من المنجم وربحتَ بذلك أرباحاً كثيرة فيجب عليك أن تخرج خُمس الأرباح وتنفقها ، أو كان لك معمل لبعض المصنوعات وربحتَ فيه أرباحاً كثيرة فيجب عليك أن تُخرج خُمس تلك الأرباح وتنفقها ، أو كانت لك أملاك كثيرة وتربح من إيجارها كثيراً فلكَ أن تخرج من النقود ما يكفيك معاش ثلاثة أشهر وما زاد من النقود تخرج خُمسها وتنفقها في كلّ سنةٍ مرّة واحدة ، وهكذا كلّ مال تحصل عليه بلا تعب ولا مشقّة فعليك تأدية خُمسه . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ لِمن يُقسَم هذا الخُمس فقال (فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) أي المسافر المنقطع ويدخل في ذلك الضيف لأنّهُ مسافر عن أهله ، فهذه ستّ حصَص . ولا يصحّ أن تعطيها بيد رجل ليوزّعها هو فربّما يأخذها لنفسهِ ولا يوزّعها على الفقراء إلاّ إذا تأكّدتَ من أمانتهِ ، وقوله (إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ ) يعني إن كنتم مؤمنين بالله وبثوابهِ وعقابهِ فيجب عليكم أداء الخُمس من كلّ غنيمةٍ تحصلون عليها (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ) محمّد ، يعني وكنتم مؤمنين بما أنزلنا على عبدنا من الآيات والظَّفَر يوم بدر (يَوْمَ الْفُرْقَانِ ) يعني يوم اُنزلَ فيه الفرقان ، وهي الآيات المتفرّقة (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) للقتال ، جمع المسلمين وجمع الكافرين (وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فهو قادر على نصركم إن أطعتم وقادر على خذلانِكم إن عصَيتم .

41 - (إِذْ أَنتُم ) تقديرهُ واذكروا نِعمة الله عليكم يوم بدر إذ أنتم (بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ) "العُدوة" جانب الوادي ، و"الدنيا" يعني القريبة من المدينة (وَهُم) يعني المشركون (بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى ) يعني في الجهة البعيدة عن المدينة والأقرب منها إلى مكّة ، ومن ذلك قول جرير : قَد أَطلُبُ الحاجَةَ القُصوى فَأَدرِكُها وَلَستُ لِلجارَةِ الدُنيا بِزَوّارِ (وَالرَّكْبُ) يعني ركب أبي سفيان وجيشه (أَسْفَلَ مِنكُمْ ) مِمّا يلي البحر (وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ ) يعني لو كان بينكم وبين المشركين موعد على هذا الاجتماع (لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ) لأسباب الصِدَف والحوادث التي تعيق الإنسان عن موعدهِ (وَلَـكِن) الله هيّأ ذلك ونظّمهُ فجاءَ بكم إلى هذا الوادي وجاء بِهم أيضاً وجمعكم على غير ميعاد (لِّيَقْضِيَ اللّهُ ) بهذا الاجتماع (أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ) وهو أن ينصركم عليهم وتغنموا من أموالهم وتنكسر شوكتهم . (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ ) من المشركين (عَن بَيِّنَةٍ ) من الدِين وإظهار الحقّ بالنصر للمؤمنين مع قِلّتهم والهزيمة للمشركين مع كثرتهم . يعني : بالنصرِ تبيّنَ للناسِ أنَّ محمّداً على حقّ إذ لو لم يكن على حقّ من دينهِ لما انتصرَ على المشركين مع كثرتهم ووَفْرة سلاحهم (وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ ) من المشركين (عَن بَيِّنَةٍ ) يعني وليُسلمَ من أسلمَ منهم عن بيّنة لِما يشاهد بعينهِ من نُصرة المؤمنين مع قلّةِ عددهم على الكافرين مع كثرتهم . فالحياة هُنا أراد بها الإيمان (وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ ) لدعائكم إذ دعوتموهُ لنُصرتكم (عَلِيمٌ) بضعفكم وقلّةِ عددكم فنصركم على أعدائكم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم