كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة التوبة من الآية( 103) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

103 - والّذينَ تابوا من المتخلّفين ومن المنافقين جاءوا بأموالهم إلى النبيّ لينفقها كفّارةً لذوبهم ، فامتنع النبيّ عن ذلك ، فنزل قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ) أي الصدقة تطهّرهم من دنَس الذنوب (وَتُزَكِّيهِم) أنتَ (بِهَا) أي بإنفاقها على الفقراء فيصبحوا أزكياء (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ) يعني صِلْهُمْ بالغنائم في المستقبل ووزّع عليهم منها (إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ) أي سكون وطمأنينة لنفوسهم (وَاللّهُ سَمِيعٌ ) لتوبتهم (عَلِيمٌ) بصدقاتهم .فحينئذٍ أخذ النبيّ ثُلث أموالهم وأنفقها على الفقراء كفّارةً لذوبهم .

104 - (أَلَمْ يَعْلَمُواْ ) هؤلاء المنافقون الّذينَ لم يتوبوا (أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) فيتوبوا كما تابَ إخوانهم (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) ويدّخرها لهم في الآخرة ، يعني يأخذ الروحاني منها ، وممّا يؤيّد هذا قولهُ تعالى في سورة آل عمران {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } ، (وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ ) للتائبين (الرَّحِيمُ) بالنادمين .

105 - ثمَّ أخذَ سُبحانهُ في تهديد المنافقين الّذينَ لم يتوبوا فقال (وَقُلِ) لهم يا محمّد (اعْمَلُواْ) ما عملتم من خيرٍ أو شرّ (فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ ) ويُحصيهِ عليكم (وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) يشهدون عليكم بما عملتم يوم القيامة (وَسَتُرَدُّونَ) بعد موتكم (إِلَى) الله (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) من أعمالٍ سيئة وعادات مُخزية . ثمَّ أخبرَ الله سُبحانهُ عن قسمٍ آخر من المنافقين فقال :

106 - (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ ) أي مؤخّرون موقوفون لِما يرِدُ من أمر الله تعالى فيهم وهم هلال بن أميّة الواقفي ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ ) إن لم يقبل توبتهم (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) إن قبل توبتهم (وَاللّهُ عَلِيمٌ ) بما يحدث في المستقبل (حَكِيمٌ) فيما يفعلهُ ويأمرُ بهِ .

107 - بنو عمرو بن عون بنَوا مسجداً في المدينة ليجتمعوا فيه للصلاة وقراءة القرآن وبعثوا إلى رسول الله أن يأتيهم فأتاهم وصلّى فيهِ ، فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا نبني مسجداً كي نجتمع فيه ولا نحضر جماعة محمّد ، فبنَوا مسجداً فلَمّا فرغوا من بنائهِ أتوا رسول الله وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا : "يا رسول الله إنّنا بنَينا مسجداً ونريد أن تأتينا فتصلّي فيه"، فقال النبيّ : "إنّي على جناح سفر ولو قدمنا أتيناكم إن شاء الله"، فلَمّا انصرف رسول الله من تبوك نزلت عليه هذه الآية في شأن المسجد (وَالّذينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا ) أي إضراراً بالمؤمنين (وَكُفْرًا) بنبوّة محمّد (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يعني ليكونوا حِزبين : حزب المؤمنين وحزب المنافقين (وَإِرْصَادًا) يعني ليجعلوا المسجد محلَّ رصدٍ ورقابة على المؤمنين (لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ) والّذي حارب الله ورسوله هو الراهب أبو عامر وكان من قصّتهِ أنَّهُ ترهّبَ في الجاهلية ولبسَ المسوح فلَمّا قدم النبيّ (ع) المدينة حسَدهُ وحزّبَ عليه الأحزاب ثمَّ هرب بعد فتح مكّة إلى الطائف فلَمّا أسلم أهل الطائف لحقَ بالشام وخرجَ إلى الروم ، وابنُهُ حنظلة غسيل الملائكة الّذي قُتِلَ مع النبيّ يوم اُحُد ، وكان أبو عامر قد أرسل إلى المنافقين أن استعدّوا وابنوا مسجداً فإنَّي أذهب إلى قيصر وآتي من عندهِ بجنودٍ واُخرج محمّداً من المدينة ، فكان هؤلاء المنافقون يتوقّعون أن يجيئهم أبو عامر بجنودهِ ، فماتَ قبل أن يصل ملِكَ الروم ، (وَلَيَحْلِفَنَّ) هؤلاء المنافقون (إِنْ أَرَدْنَا ) أي ما أردنا ببناء هذا المسجد (إِلاَّ الْحُسْنَى ) يعني إلاّ الفِعلة الحُسنى (وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ). ثمَّ خاطب رسوله فقال تعالى :

108 - (لاَ تَقُمْ فِيهِ ) للصلاة (أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ ) غيره (أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ) للصلاة والعبادة ، يعني : كلّ مسجد وضِعَ أساسهُ على التقوَى من أوّلِ يوم أولَى بأن تصلّي فيه ، ويريد بذلك مسجد قُباء الّذي بناهُ المؤمنون (فِيهِ) أي في ذلك المسجد (رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) بالماء من الأوساخ ومن الجنابة .

109 - (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ ) تقديرهُ أفمن وضعَ أساسهُ وشاد بُنيانهُ على تقوَى من الله ورضوانٍ كبني عمرو بن عوف المؤمنين (خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ) كبني غنم بن عوف المنافقين ، يعني بناؤهم هذا كمن بنَى على شاطئ نهرٍ فوق أرضٍ رمليّة فإذا أصابهُ الماء من النهر انهارَ البناء وتهدّم ، ثمَّ قال تعالى (فَانْهَارَ بِهِ ) يعني فانهار المسجد بصاحبهِ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) وصاحبهُ أبو عامر الّذي أوعز إلى المنافقين أن يبنوا مسجداً ضِدّ المؤمنين (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) إلى طريق الحقّ .

110 - (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) يعني لا يزال المسجد الّذي بنَوهُ موضع شكّ في قلوب جماعتهم الّذينَ لا يعلمون بأسرارهم ولأيِّ غرضٍ بنَوهُ فيقولون إنَّ جماعتنا ليسوا بمؤمنين ولا يُصلّون فلماذا بنَوا هذا المسجد ، فهم في شكٍ من بنائهِ (إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ) من الصبر فيحنئذٍ يبوحون لهم بأسرارهم والغاية الّتي بنَوا لأجلها هذا المسجد ، وهذا مثَلٌ يُضرب بنهاية الصبر فيُقال : "تقطّع قلبي من الانتظار" ، والمعنى : أنَّهم كانوا يكتمون أمر المسجد أشدَّ الكتمان حتّى أكثر جماعتهم كانوا لا يعلمون لأيِّ غرضٍ بنَوا هذا المسجد ولكن الله كشف سِرّهم وبيّنَ نواياهم الباطلة (وَاللّهُ عَلِيمٌ ) بأسرارهم (حَكِيمٌ) في أفعاله معهم . ولَمّا رجع النبيّ من تبوك أمرَ بتهديم المسجد فهدّموهُ .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم