كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة التوبة من الآية( 49) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

49 - (وَمِنْهُم) يعني من المنافقين الّذينَ سبق ذكرهم (مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ) يعني لا تُعذّبني بالخروج معك إلى القتال حيث الحرُّ شديد وليس لي طاقةٌ على تحمُّل الحرّ ، والّذي قالها هو جدُّ ابن قيس أخو بني سلمة ، فأذنَ لهُ النبيّ بالانصراف (أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ) يعني في العذاب سقط هؤلاء المنافقون (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) وهذا تهديدٌ لهم ووعيدٌ بالعذاب في الآخرة .

50 - (إِن تُصِبْكَ ) يا محمّد (حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ) يعني إنْ تَنَلْكَ نِعمة من الله وفتح وغنيمة يحزن المنافقون (وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ) يعني شِدّة ونَكبة (يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ) أي أخذنا الحذر بالقعود من قبل هذه النَكبة فسلمنا منها (وَيَتَوَلَّواْ) إلى أهلهم (وَّهُمْ فَرِحُونَ ) بما أصابكم من سوء .

51 - (قُل) لهم يا محمّد (لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا ) من خيرات وإنْ أصابتنا سيّئة فمن أنفسنا وبسوء تصرّف أصحابنا في الاُمور . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة النساء {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } ، (هُوَ مَوْلاَنَا ) يعني هو متولّي أمرِنا ومُساعَدتِنا وناصرُنا على أعدائنا ، ومن كان الله وليّهُ فلا يخاف العاقبة (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) في الخروج إلى قتال المشركين .

52 - (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا ) أي تنتظرون لنا (إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ) يعني إحدى الخِصلتين الحميدتين إمّا الغلَبة والغنيمة وإمّا الشهادة والفوز بنعيم الجنّة (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ) أي ننتظر لكم (أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ ) كالمرض أو الفقر أو شِدّة من شدائد الدنيا (أَوْ) يُصيبكم (بِأَيْدِينَا) بإقامة الحدّ عليكم ضرباً بالسياط (فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ) أي فانتظروا العاقبة إنَّا معكم مُنتظرون .

53 - ثمَّ بيّنَ سُبحانهُ أنَّ هؤلاء المنافقين لا ينتفعون بما ينفقون مع إقامتهم على الكفر والعصيان فقال: (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) أي طائعين أو مُكرَهين (لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ) أي خارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله .

54 - (وَمَا مَنَعَهُمْ ) من الإنفاق في الماضي لو كانوا مؤمنين بالله وبرسولهِ ، ولكن امتناعهم عن الإنفاق في الماضي جعل (أَن) لا (تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ ) في الحاضر لأنّهم ينفقون رئاء الناس ، وما كان سبب امتناعهم عن الإنفاق (إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ ) وهذا كان سبب امتناعهم عن الإنفاق (وَ) لذلك (لاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى ) أي مُتكاسلين مُتثاقلين (وَلاَ يُنفِقُونَ ) اليوم (إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ) .

55 - (فَلاَ تُعْجِبْكَ ) كثرة (أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ ) فتريد أن ينفقوا من أموالهم للجهاد وأولادهم للقتال (إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وذلك بأن يُعطيهم الكثرة من المال ثمَّ يسلبهُ منهم بسبب من الأسباب فيحزنون على أموالهم بعد فقدانها ، ويعطيهم الأولاد ثمَّ يُميتهم فيحزنون على فقدانهم (وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ ) على ذهاب أموالهم وأولادهم ، يعني يموتون من شِدّةِ ما بهم من الحُزن والكآبة ،
ومن ذلك قولُ لبيد : شَفَى النَّفْسَ ما خُبِّرتُ مَرَّانُ اُزْهِقَتْ ومَا لَقِيَتْ يَوْمَ النُّخَيْلِ حَرِيمُ
وقال جرير : إنّ أبا مَنْدُوسَةَ الْمُعَرَّقَا يومَ تَمنّانَا فكانَ الْمُزهَقَا لاقَى مِنَ الموتِ خَليجاً مُتْأَقَا لَمّا رَأَوْنَا والسُّيوفَ البُرَّقَا
(وَهُمْ كَافِرُونَ ) لنِعَم الله عليهم ، أي مُنكِرون للنِعَم لا يَشكرون عليها . ثمَّ أظهر سِرّاً من أسرارهم فقال تعالى :

56 - (وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ) أي من جُملتكم مؤمنون ، فقال تعالى (وَمَا هُم مِّنكُمْ ) أي ليسوا مؤمنين كما آمنتم (وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) أي يخافون منكم ويهابون ، تقول العرب {فَرَقٌ خيرٌ من حُبٍّ } يعني : أن تُهابَ خيرٌ من أن تُحَبَّ .

57 - (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ) يلجؤون إليهِ ، يعني حِصناً في مدينةٍ يتحصَّنون بهِ (أَوْ مَغَارَاتٍ ) في الجبال يأوون إليها (أَوْ مُدَّخَلاً ) في الأرض ، يعني سراديب يختفون بها عنكم (لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ ) يعني لذهبوا عنكم إلى الملجأ يتحصَّنون بهِ عنكم (وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) أي يخرجون عن طاعتكم وعن دينكم . فالجِماح هو الخروج عن طاعة الغير والعمل بهوى النفس ، ومن ذلك قولهم "فرسٌ جموح" يعني تغلّبَ على راكبهِ وذهبَ به لا ينثني ، و"جمحت المرأة من زوجها" أي خرجت من بيتهِ قبل أن يُطلّقها ، ومِثله طمحت ،
وفي ذلك قول شاعرهم : إذا رَأَتْنِي ذاتُ ضِغْنٍ حَنَّتِ وجَمَحَتْ من زَوْجِها وأَنَّتِ
وقال الآخر : خَلَعْتُ عِذارِي جامِحـاً مـا يَرُدُّنـِي عَنِ البِيضِ أَمْثالِ الدُّمَى زَجْرُ زاجِرِ
وقال جرير : ألا تَذكُرُ الأزْمانَ إذْ تَتْبَعُ الصِّبَا وإذْ أنْتَ صَبٌّ وَالهوَى بكَ جامِحُ
وقال جرير لجاريةٍ اشتراها ففركتهُ : فإنْ تَقصِدي فالقَصْدُ منّي خَلِيقةٌ وإنْ تَجْمَحِي تَلْقَيْ لِجامَ الجوامِحِ
وقال النابعة الذبياني يمدح قوماً : يَقُولُونَ حِصْنٌ ثُمَّ تَأبَى نُفُوسُهُمْ وكَيْفَ بِحِصْنٍ والجِبالُ جُمُوحُ يقول الشاعر من يأبى الذلَّ لا يتحصَّن بالحصون خوف القتل بل يذهب إلى الجبال حيث هيَ مكان الجموح .

58 - (وَمِنْهُم) أي من المنافقين (مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ) أي يَعيبك فيها إذا رأى قسمتهُ قليلة فيقول إنَّ النبيَّ لا يقسم بالسويّة بل يعطي لمن أحبَّهُ أكثر من غيره (فَإِنْ أُعْطُواْ ) الكثير (مِنْهَا رَضُواْ ) عنك (وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا ) كثيراً (إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) عليك ويعيبونك .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم