كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة التوبة من الآية( 75) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

75 - (وَمِنْهُم) أي من المنافقين (مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ ) قائلاً (لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ ) أي من رزقهِ الواسع (لَنَصَّدَّقَنَّ) أي لنتصدّق على الفقراء والمساكين (وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) .

76 - (فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ ) من المال الواسع (بَخِلُواْ بِهِ ) ولم ينفقوا منه على الفقراء والمساكين كما عاهدوا الله عليه (وَتَوَلَّواْ ) عن الفقراء لئلاّ يسألوهم من أموالهم (وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) عن الدِين وعن ما أمر الله بهِ من الزكاة .

77 - (فَأَعْقَبَهُمْ) البُخلُ (نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ) يعني إلى يوم يلقَون عقابَ الله على بُخلهم ونفاقهم ، وهو يوم موتهم وانتقالهم إلى عالم النفوس (بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ ) من الإنفاق على الفقراء والمحتاجين (وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ) على الله .

78 - (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) "السِرّ" هو النوايا الّتي يكتمها الإنسان في قلبهِ ، و"النجوى" هيَ الأحاديث الخفيّة تكون بين شخصين أو أكثر فيتشاورون فيما بينهم ،
ومن ذلك قولُ الشاعر : إِنِّي إِذا ما القَوْمُ كانُوا أَنْجِيَهْ واضْطَرَبَ القَوْمُ اضْطِرابَ الأَرْشِيَهْ
(وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) "الغيب" كلُّ حادثٍ لا يعلمهُ الإنسان وقعَ أم لم يَقعْ .

79 - ثمَّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ قسم آخر من المنافقين فقال (الّذينَ يَلْمِزُونَ ) أي يعيبون (الْمُطَّوِّعِينَ) أي المتطوّعين (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ) الّتي يُقدّمونها للنبيّ لكي يوزّعها على الفقراء (وَ) يعيبون الفقراء (الّذينَ لاَ يَجِدُونَ ) من المال ليتصدّقوا بهِ (إِلاَّ جُهْدَهُمْ ) يعني إلاّ قدر طاقتهم وتمكينهم ، لأنَّ بعض المؤمنين أغنياء فيأتون بمالٍ كثير وبعضهم فقراء ويحبّون أن يتصدّقوا فيأتون بشيءٍ يسير ، فإذا رآهم المنافقون عابوهم لقلّةِ ما قدّموهُ من الصدقات ، ويعيبون من أتى بالكثير أيضاً فيقولون إنَّهُ يحبُّ الرياء والسمعة ولذلك أتى بمالٍ كثير (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ) يعني المنافقون يسخرون من المؤمنين المتطوّعين بالصدقات ، فقال الله تعالى (سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ ) أي من المنافقين ، يعني سخرَ من جهلهم بعواقب الاُمور (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة . فلَمّا سمعوا هذه الآية جاء بعضهم إلى النبيّ وقال : "إستغفر لي يا رسول الله" ، فاستغفرَ لهُ النبيّ ، فنزلت هذهِ الآية .

80 - (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ) وذِكر السبعين في العدد يأتي للمُبالغة في الكَثرة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) إلى طريق الحقّ .

81 - ثمَّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ المنافقين الّذينَ تخلّفوا عن الجهاد مع النبيّ في غزوة تبوك ورضُوا بالقعود فقال (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ ) يعني المتخلّفون عن الجهاد (بِمَقْعَدِهِمْ) أي بقعودهم في المدينةِ (خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ ) أي بعد ذهاب رسول الله إلى تبوك (وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ ) أي قال بعضهم لبعضٍ (لاَ تَنفِرُواْ ) أي لا تخرجوا (فِي الْحَرِّ ) أي في الصيف (قُلْ) لهم يا محمّد (نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) يعني إنْ كان تخلّفهم عن الجهاد بسبب الحرّ فماذا يكون مصيرهم لَمّا يدخلون جهنّم وكيف يكون حالهم حينئذٍ ؟

82 - (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) الضحك هنا كناية عن الفرح ، والبكاء كناية عن الحزن ، واللّام من قوله فليضحكوا لام العاقبة ، والمعنى : سنجعل حياتهم في الدنيا قليلة الأفراح وكثيرة الأحزان وبذلك يقلُّ ضَحكهم ويكثر بُكاؤهم وذلك جزاءً بما كانوا يكسبون من آثام .

83 - ثمَّ خاطب اللهُ رسولهُ فقال تعالى (فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ ) من غزوتك (إِلَى) المدينةِ إلى (طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ) أي من المنافقين الّذينَ تخلّفوا عن النبيّ (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ) معك إلى غزوةٍ اُخرى (فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا ) إلى غزوةٍ (وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أي عن غزوة تبوك (فَاقْعُدُواْ) الآن (مَعَ الْخَالِفِينَ ) أي مع الأطفال والصبيان ، فالخلَف هم أبناء السلَف .

84 - (وَلاَ تُصَلِّ ) يا محمّد (عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ) أي من المنافقين (مَّاتَ أَبَدًا ) يعني إذا مات (وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ ) لقراءة الفاتحة والدعاء له (إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ) لم يتوبوا ولم يُغيّروا عاداتهم السيئة يعني بعضهم مات وبعضهم باقٍ لم يمت .

85 - (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) سبق تفسيرها في آية (55) من هذه السورة .

86 - (وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ) في شأن الجهاد وذُكِرَ فيها (أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ ) أي صدّقوا بالثواب الّذي أعدّهُ اللهُ للمجاهدين (وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ ) في القعود عن الجهاد (أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ ) أي الأغنياء منهم (وَقَالُواْ ذَرْنَا ) أي اتركنا (نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ) في المدينة ولا نريد الخروج معك .

87 - (رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ ) أي مع الأطفال والصبيان لأنَّ الرجال كلهم ذهبوا للجهاد (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) بالرّين ، يعني البُخل وحُبّ المال طَبعَ على قلوبهم بالرّين فلم يَدَعْهم ليخرجوا للجهاد (فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ) أي لا يعلمون ما للمجاهد عند الله من الثواب والنعيم في الجنان .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم