كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة التوبة من الآية( 98) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

98 - (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا ) يعني ومنهم مَن يَحسَبُ أنَّ الّذي أنفقهُ من المال كان خسارةً عليه قد ذهبَ أدراج الرياح فلا يُثاب عليهِ (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ) أي ينتظر بكم صروف الزمان وحوادث الأيّام ، يعني ينتظرون موت النبيّ ليرجعوا إلى دين المشركين ، ثمَّ ردَّ عليهم سُبحانهُ فقال (عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ ) يعني ما يتوقَّعونهُ من بلاءٍ يحلُّ بالمسلمين فهو واقعٌ بهم (وَاللّهُ سَمِيعٌ ) لأقوالهم (عَلِيمٌ) بأفعالهم .

99 - كان لِأَبِي الدَّحْدَاحِ بستانان فأهدى واحداً منهما إلى النبيّ (ع) فنزلت هذه الآية (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) أي ويؤمن بيوم القيامة (وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ ) في سبيل الله (قُرُبَاتٍ) تقرّبهُ (عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ) أي البُستان الّذي وصلَ به الرسول أيضاً يعتقد أنّها تقرّبهُ عند الله ، والتقدير : يتّخذُ ما ينفقُ في سبيل الله قُرُباتٍ عند الله ويتّخذ الصِلات إلى الرسول قُرُبات أيضاً . ثمَّ أيّدَ الله تعالى حُسنَ نواياهم فقال (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ) كما يعتقدون (سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ ) في الآخرة ، أي في جنّتهِ (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ ) للمُنفقين في سبيله (رَّحِيمٌ) بالمؤمنين .

100 - ثمَّ عطفَ سُبحانهُ على من تقدّم ذكرهم من الأعراب الّذينَ آمنوا باللهِ واليوم الآخر فقال : (وَالسَّابِقُونَ) إلى الإيمان (الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ) يعني الّذينَ هاجروا إلى الحبشة ثمَّ إلى المدينة (وَالأَنصَارِ) يعني والسابقون إلى الإيمان من الأنصار (وَالّذينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ) أي بأعمال الخير والدخول في دين الإسلام بعدهم وسلكوا نهجهم (رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ ) لأنَّهم استجابوا لله وللرسول (وَرَضُواْ عَنْهُ ) لِما أعطاهم من الكرامة والشرف في الدنيا ومن الثواب والنعيم في الآخرة (وَأَعَدَّ لَهُمْ ) أي هيّأ لهم (جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .

101 - ثمَّ عادَ سُبحانهُ إلى ذمّ المنافقين فقال (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ) أي حول المدينة (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ ) أي مُرِّنوا على النفاق وتعوّدوا عليه (لاَ تَعْلَمُهُمْ) أي لا تعرفهم (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ) الأولى في الدنيا نعذّبهم بالمرض والذلّ ، والثانية في الآخرة بعد الموت (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) يوم القيامة .

102 - (وَآخَرُونَ) تابوا (اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ ) قد (خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ) فيما مضَى (عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .

103 - والّذينَ تابوا من المتخلّفين ومن المنافقين جاءوا بأموالهم إلى النبيّ لينفقها كفّارةً لذوبهم ، فامتنع النبيّ عن ذلك ، فنزل قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ) أي الصدقة تطهّرهم من دنَس الذنوب (وَتُزَكِّيهِم) أنتَ (بِهَا) أي بإنفاقها على الفقراء فيصبحوا أزكياء (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ) يعني صِلْهُمْ بالغنائم في المستقبل ووزّع عليهم منها (إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ) أي سكون وطمأنينة لنفوسهم (وَاللّهُ سَمِيعٌ ) لتوبتهم (عَلِيمٌ) بصدقاتهم .فحينئذٍ أخذ النبيّ ثُلث أموالهم وأنفقها على الفقراء كفّارةً لذوبهم .

104 - (أَلَمْ يَعْلَمُواْ ) هؤلاء المنافقون الّذينَ لم يتوبوا (أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) فيتوبوا كما تابَ إخوانهم (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) ويدّخرها لهم في الآخرة ، يعني يأخذ الروحاني منها ، وممّا يؤيّد هذا قولهُ تعالى في سورة آل عمران {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } ، (وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ ) للتائبين (الرَّحِيمُ) بالنادمين .

105 - ثمَّ أخذَ سُبحانهُ في تهديد المنافقين الّذينَ لم يتوبوا فقال (وَقُلِ) لهم يا محمّد (اعْمَلُواْ) ما عملتم من خيرٍ أو شرّ (فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ ) ويُحصيهِ عليكم (وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) يشهدون عليكم بما عملتم يوم القيامة (وَسَتُرَدُّونَ) بعد موتكم (إِلَى) الله (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) من أعمالٍ سيئة وعادات مُخزية . ثمَّ أخبرَ الله سُبحانهُ عن قسمٍ آخر من المنافقين فقال :

106 - (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ ) أي مؤخّرون موقوفون لِما يرِدُ من أمر الله تعالى فيهم وهم هلال بن أميّة الواقفي ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ ) إن لم يقبل توبتهم (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) إن قبل توبتهم (وَاللّهُ عَلِيمٌ ) بما يحدث في المستقبل (حَكِيمٌ) فيما يفعلهُ ويأمرُ بهِ .

107 - بنو عمرو بن عون بنَوا مسجداً في المدينة ليجتمعوا فيه للصلاة وقراءة القرآن وبعثوا إلى رسول الله أن يأتيهم فأتاهم وصلّى فيهِ ، فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا نبني مسجداً كي نجتمع فيه ولا نحضر جماعة محمّد ، فبنَوا مسجداً فلَمّا فرغوا من بنائهِ أتوا رسول الله وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا : "يا رسول الله إنّنا بنَينا مسجداً ونريد أن تأتينا فتصلّي فيه"، فقال النبيّ : "إنّي على جناح سفر ولو قدمنا أتيناكم إن شاء الله"، فلَمّا انصرف رسول الله من تبوك نزلت عليه هذه الآية في شأن المسجد (وَالّذينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا ) أي إضراراً بالمؤمنين (وَكُفْرًا) بنبوّة محمّد (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يعني ليكونوا حِزبين : حزب المؤمنين وحزب المنافقين (وَإِرْصَادًا) يعني ليجعلوا المسجد محلَّ رصدٍ ورقابة على المؤمنين (لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ) والّذي حارب الله ورسوله هو الراهب أبو عامر وكان من قصّتهِ أنَّهُ ترهّبَ في الجاهلية ولبسَ المسوح فلَمّا قدم النبيّ (ع) المدينة حسَدهُ وحزّبَ عليه الأحزاب ثمَّ هرب بعد فتح مكّة إلى الطائف فلَمّا أسلم أهل الطائف لحقَ بالشام وخرجَ إلى الروم ، وابنُهُ حنظلة غسيل الملائكة الّذي قُتِلَ مع النبيّ يوم اُحُد ، وكان أبو عامر قد أرسل إلى المنافقين أن استعدّوا وابنوا مسجداً فإنَّي أذهب إلى قيصر وآتي من عندهِ بجنودٍ واُخرج محمّداً من المدينة ، فكان هؤلاء المنافقون يتوقّعون أن يجيئهم أبو عامر بجنودهِ ، فماتَ قبل أن يصل ملِكَ الروم ، (وَلَيَحْلِفَنَّ) هؤلاء المنافقون (إِنْ أَرَدْنَا ) أي ما أردنا ببناء هذا المسجد (إِلاَّ الْحُسْنَى ) يعني إلاّ الفِعلة الحُسنى (وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ). ثمَّ خاطب رسوله فقال تعالى :

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم