كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 1) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1 - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ ) أي تجنّبوا مخالفة (رَبَّكُمُ) فيما أمركم به ونهاكم عنه (الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) هي آدم خلقه الله تعالى من الطين ، وذلك قوله تعالى في سورة ص {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ } ، (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) يعني وخلق من تلك الطينة الّتي خلق منها آدم خلق منها أيضاً زوجة لآدم (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا ) أي نشرَ وفرّقَ من هاتين النفسين على وجه التناسل رجالاً (وَنِسَاءً) ، فيجب عليكم يا أولاد آدم أن تتعاونوا فيما بينكم وتتراحموا لأنّكم من أبٍ واحد وأمٍّ واحدة (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ ) أي تتساءلون به ، فحذفت إحدى التائين لتسهيل الكلام ، والمعنى : يسأل بعضكم بعضاً فيقول أسألك بالله أن تعطيني كذا ، وأسألك بالله أن تقضي حاجتي ، وهكذا يسأل بعضكم بعضاً ، وهذا تعظيماً له فيجب عليكم أن تتّقوه بأفعالكم كما تعظّموه بأقوالكم (وَالأَرْحَامَ) أي واتّقوا الله في أرحامكم فلا تؤذوهم ولا تنفروا منهم بل يجب عليكم أن ترحموهم وتشفقوا عليهم وتَصِلوهم بالخيرات وخاصّةً الفقير منهم واليتيم والشيخ الكبير (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) أي يُراقبكم فيرى أعمالكم وأفعالكم ثمّ يجازيكم عليها في الآخرة .

2 - (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ) والخطاب لأوصياء الأيتام ، أي أعطوهم بالإنفاق عليهم عند الصغر والتسليم إليهم عند البلوغ والكبر إذا آنستم رشداً (وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) أي لا تستبدلوا الرديء من أموالكم بالجيّد من أموالهم ، لأنّ بعض الناس كان يخلط غنمه مع غنم اليتيم بالعدد ثمّ إذا أراد أن يدفع حصّة اليتيم إختارَ الهزيل منها والرديء ودفعه إلى اليتيم وأبقى عنده كلّ سمين (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ) أي لا تخلطوا أنعامهم مع أنعامكم لكي تأخذوا ألبانها وأصوافها اغتيالاً وسرقةً (إِنَّهُ) أي الإغتيال والسرقة وتبديل الرديء بالجيّد من مال اليتيم (كَانَ) عند الله (حُوبًا كَبِيرًا ) أي إثماً عظيما . فالحوب معناه الإثم ، ومن ذلك قول زُهير : وَيَقيكَ ما وَقّى الأكارِمَ مِنْ حُوبٍ تُسَبُّ بهِ وَمِنْ غَدْرِ وقال الأعشى : إنِّي وَما كلَّفتُمُوني وربِّكُمْ لَأعلَمُ مَنْ أمْسَى أعَقَّ وأَحْرَبَا

3 - جاء رجل من أصحاب النبي (ع) فقال يا رسول الله لي بقر وغنم وعندي زوجة واحدة ولم تكفِ لحلب البقر والغنم وأريد أن أتزوّج امرأةً اُخرى لتساعد زوجتي على ذلك وفي بيت جارنا فتاة يتيمة أريد أن أتزوّجها ولكن طبعي شرس وأخاف أن أعول عليها فأضربها لسبب من الأسباب أو أقهرها وقد قال الله تعالى في كتابه المجيد {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ } ، وأنا متحرّج من ذلك . فنزلت هذه الآية : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى ) يعني أن لا تعدلوا (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ) يعني تزوّجوا من الطيّبات لا من الخبيثات ، وهذا إشارة إلى قوله تعالى في سورة النور {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ } ، وقوله (لَكُم) يعني فانكحوا ما ثبت لكم أنّها طيّبة وليست خبيثة (مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) بشرط أن تعدِلوا بين النساء (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ) بينهنّ (فَوَاحِدَةً) أي فاكتفوا بواحدة (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) من الإماء (ذَلِكَ) إشارة إلى زواج غير اليتيمة من النساء الطيّبات (أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ) أي أقرب للقسط من زواج اليتيمة وإهانتها بالضرب أو السبّ . يقال عالَ عليه ، أي اعتدى عليه . ولا يحلّ لك أن تتزوّج أكثر من تسع [زوجات ] مدى حياتك ولو ماتت زوجاتك وبقيت أعزباً ، فقد نهى الله تعالى رسولهُ أن يتزوّج أكثر من ذلك ، فقد قال الله تعالى في سورة الأحزاب {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } .

4 - (وَآتُواْ النَّسَاءَ ) أي أعطوا النساء ، والخطاب لأولياء النساء وذلك كأبيها أو أخيها أو جدّها أو من قامَ بتربيتها (صَدُقَاتِهِنَّ) أي مهورهنّ (نِحْلَةً) أي عطيّةً من الله أوجبها لهنّ ولا تأخذوهُ منهنّ اغتصاباً (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا ) والمعنى إن طابت نفوسهنّ بهبةِ شيءٍ من الصداق (فَكُلُوهُ) أي فكلوا الموهوب لكم من بناتكم (هَنِيئًا مَّرِيئًا ) "الهنيء" هو الطيّب الْمُساغ ، و"المريء" هو المحمود العاقبة الذي لا ضررَ فيه . فإنّ الله تعالى قد أباح لوليّ المرأة أن يأكل شيئاً من صداقها إنْ وهبتهُ هيَ شيئاً منه . أمّا الزوج فقد منعهُ أن يأخذ من صداق زوجته شيئاً ، وذلك قوله تعالى في سورة البقرة {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ } .

5 - (وَلاَ تُؤْتُواْ ) أي ولا تُعطوا (السُّفَهَاء) من نسائكم وأولادكم وربائبكم وأيتامكم لا تُعطوهم (أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً ) تقومون بِها في معاشكم وتقضون بِها حوائجكم ، والمعنى : إذا كانت زوجتك ناقصة العقل والتدبير مُبذّرة للمال فلا تسلّم أموالك بيدها تتصرّف بِها كيف تشاء لأنّها تبعثر أموالك وتصرفها في أشياء تافهة لا قيمةَ لها وليست ضروريّة ، وكذلك ابنك أو ربيبك أو اليتيم الذي في بيتك الذي آويتَه في سبيل الله إن كان سفيهاً مُبذّراً للمال فلا تسلّم أموالك بيده يتصرّف بِها كما يشاء ولا تُعطِه مفاتيح حانوتك أو تجعله وكيلاً على أملاكك لأنّهُ يخونك ويسرق من أموالك ويبذّرها وأنت لا تعلم وذلك لأنّه سفيه والسفيه لا تثقْ به ولا تعتمدْ عليه في جميع الأشياء (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ) والمعنى : يجب أن تقوم أنت بنفسك بأمر معاشهم وكسوتهم فتعطيهم على قدر الحاجة ، فإن أرادوا الزيادة على نفقاتهم أو كسوتهم فاعتذروا إليهم (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ) أي لا تعاملوهم بالقوّة والضرب والشتم بل عاملوهم بلين الكلام وحسّنوا لهم المقال لتنالوا المرام ، لأنّ السفيه ينقاد بالكلام الليّن والوعد الحسن . ومن أهم اُمور التبذير عند المرأة الملابس وأدوات الزينة التي تتزيّن بِها في الوقت الحاضر وتتجمّل فإذا تركتَ أموالك بيدها تتصرّف بِها كما تشاء فإنّها تواظب على شراء الملابس والأحذية وما تتزيّن به ولا تكتفي بثوب أو ثوبين بل في كلّ شهر تلبس ثوباً جديداً وحذاءً جديداً وتبعثر الملابس القديمة ولا تعتني بِها لأنّها لم تتعب بجمع المال بل حصلت عليه بغير تعب ولا مشقّة و في ذلك قال الشاعر : فمَنْ أخَذَ البِلادَ بِغَيْرِ حَرْبٍ يَهُونُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ البِلادِ أمّا إبنك أو ربيبك أو اليتيم الذي عندك فإنّه يبذّر المال إن كان سفيهاً فيشتري ما تشتهي نفسه من ملاعيب وأدوات وملابس وغير ذلك ، وربّما أخذ يلعب القمار ويشرب الخمر وأنت لا تعلم به ، أو يصاحب أولاداً على شاكلته فينفق عليهم الدنانير ويبذّر الأموال وأنت لا تعلم ، فلذلك لا تعتمد على أحد من هؤلاء ولا تسلّم أموالك بيده بل اعتمد على نفسك وأدِر شؤونكَ بنفسك تنجحْ .

------------------------------------
<<السورة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم