كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الطور من الآية( 1) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1 - (وَالطُّورِ) هو الجبل الذي كان موسى يصعد عليه ويناجي ربّه منه ، وتُسمّيه اليهود جبل حوريب، والواو للقسم .

2 - (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) سطّرها الله بقلم قدرته ، وهي الألواح الحجرية التي كتب فيها الوصايا العشر ، ثم كتبوها في مجموعة التوراة .

3 - (فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ) ، "الرَّق" هو جلد الغزال كانوا يكتبون عليه التوراة والأحكام التشريعية من الحلال والحرام وقصص الأنبياء التي سبقت زمن موسى والتي بعده ورحلات بني إسرائيل لَمّا خرجوا من مصر وغير ذلك ، وتسمى "مجموعة التوراة" ، وتسميه النصارى "العهد القديم". فالرَّق هو جلد الغزال يستعمل للكتابة بعد عمليّة تجرى له حيث لم يكن ورق للكتابة في ذلك الزمن .

4 - (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) هو بيت المقدس الذي ابتدأ في بنائه داوود وأكمله سليمان من بعده .

5 - (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) يريد به الجبل الذي انشقّ ومالت الشقّة على من كان تحتها من بني إسرائيل وكادت تقتلهم جميعاً لأنهم كذّبوا موسى لَمّا نزل بالألواح وقالوا من يصدّق أنّها من عند الله . فلما رأوا ذلك خافوا وصاحوا آمنا وصدّقنا ، فاستقرت الشُقّة في مكانها ولم تقع عليهم . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ }. فالشقّة من جبل الطور هي السقف المرفوع على من كان تحته .

6 - (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) أي الذي سجرته الشمس .

تقول المرأة العربية "إسجري التنور" أي إشعلي النار فيه لكي تخبزي فيه . ومن ذلك قول الخنساء تصف حرارة كبدها كبقرةٍ ذبحوا ابنها وحشوا جلده تبناً فتقول :
لاَ تسمنُ الدَّهرَ في أرضٍ وَانْ رَتَعَتْ ..... فانَّما هيَ تحنانٌ وَتسجارُ
يعني قلبها كالتنّور يتوقّد على ولدها .
هو البحر الأحمر الّذي عبره موسى وقومه وغرق فيه فرعون وجنده . والواو في جميع الكلمات للقسَم، وكلها قسَم ماضٍ ، أي إن الله تعالى أقسم بحوادث مضت على أقوام كذّبوا الرسُل فأنزل الله عليهم مثل هذا العذاب أو الخراب أو التدمير . وإليك ذكر كل حادثة منها على التفصيل :
أولاً أقسم الله تعالى بالطور ويريد بذلك ذكر الحادثة التي وقعت فوقه وهي قصة موسى مع السبعين من قومه لَمّا قالوا أرِنا الله جهرة ، فجاء بهم وأصعدهم فوق الجبل وقال ربِّ أرني أنظر إليك ، قال الله تعالى لن تراني فنزلت صاعقة عليهم فخرّ موسى مغشياً عليه ومات من كان معه . وقصتهم معروفة في التوراة وفي القرآن ، وهذا قسم تهديد للمشركين ومعناه إن لم تؤمنوا بي وتصدّقوا رسولي أُنزل عليكم صاعقة من السماء كما أنزلتُ على هولاء السبعين لَمّا تكبّروا على موسى وكذّبوه وقالوا أرِنا الله جَهرةً .
أما قوله تعالى (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) الكتاب هو الألواح الحجرية التي كتبها الله تعالى بقلم قدرته ونزل بها موسى إلى قومه103 وكانت تلك الألواح آية ومعجزة لبني إسرائيل وآثاراً باقية من بعد موسى لو لم يكفروا ويعبدوا العجل . فلمّا نزل موسى من الجبل ورأى قومه يعبدون العجل غضب عليهم وألقى الألواح على الأرض بعنف فتكسّرت وصارت قطعاً عديدة فخسرتها بنو إسرائيل حيث كانت الكتابة فيها بارزة من الحجر معروفة أنها ليست من كتابة إنسان بل هي من الله تعالى . والخطاب في هذه الآية للمشركين أيضاً والمعنى : إنْ لم تؤمنوا بي وتصدّقوا رسولي وتتركوا عنادكم فستخسرون القرآن الذي هو عزّ لكم ورحمة في الدنيا والآخرة لما فيه من علوم وحِكم ومواعظ كما خسر بنو إسرائيل اللوحين اللذَينِ فيهما الوصايا العشر .
أما قوله تعالى (فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ) يريد به مجموعة التوراة ، والمنشور معناه المتفرّق المتمزّق المنتشرة رقوقه على الأرض ؛ وذلك لأنّ نبوخذنصر مزّقه . والخطاب أيضاً للمشركين والكافرين ، والمعنى : إن لم تؤمنوا بوحدانيتي وتصدّقوا رسولي تخسروا القرآن كما خسر بنو إسرائيل مجموعة التوراة حين مزّقها ملك بابل لَمّا كفروا وعبدوا البعليم وعشتاروث وغيرهما .
أما قوله تعالى (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) يريد به بيت المقدس ، الواو للقسَم والخطاب للمشركين من العرب ، والمعنى إن لم تؤمنوا بوحدانيتي وتتركوا عبادة الأصنام أُسلّط عليكم من يأخذ البيت منكم الّذي فيه عزّكم ويكسّرُ أصنامكم ، كما أرسلتُ على بني إسرائيل ملك بابل فكسّر أصنامهم وهدّم بيت المقدس الذي فيه عزّهم وفي بقائه مجدهم لو لم يكفروا ويعبدوا الأصنام .
أما قوله تعالى (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) هي الشقّة من الجبل التي مالت عليهم فكانت كالسقف فوق رؤوسهم وقد سبق الكلام عنها .
أما قوله تعالى (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) يريد به البحر الأحمر الذي انفلق لموسى فاجتازه هو وقومه وغرق فيه فرعون وجنده . والخطاب للمشركين أيضاً ، والمعنى : إن لم تصدّقوا رسولي أُهلككم كما أهلكتُ فرعون وجنده في البحر لَمّا كذّبوا موسى ولم يؤمنوا به . وهذا ما أنذرهم به من عذاب عاجل ، ثم توعّدهم بعذاب آخر آجِل فقال تعالى :

7 - (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ) للمشركين (لَوَاقِعٌ) اي لآتٍ وقتُه .

8 - (مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ) أي ليس لأحدٍ تمكين أن يدفع العذاب عنهم .

9 - ثمّ بيّن سبحانه متى يكون وقته فقال (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا) السماء يريد بها الطبقات الغازية وقد سبق الشرح عنها في هذا الكتاب وفي كتابي الكون والقرآن أيضاً، والمور معناه الاضطراب بذهاب وإياب ، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى :

فَتُجمَع أَيمُنٌ مِنّا وَمِنكُم ..... بِمُقسَمَةٍ تَمورُ بِها الدِماءُ
يعني تموج بها الدماء . والمعنى : في ذلك اليوم تضطرب الطبقات الغازية التي تغلّف الأرض وتموج بعضها في بعض ثم تتشقّق وتختلط ببعضها فتكون كالدخان . ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الدخان { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } .

10 - (وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) ، الجبال هنا يريد بها النيازك وقد شرحت عنها في كتابي الكون والقرآن شرحاً وافياً ، والمعنى : في ذلك اليوم تسير النيازك نحو الشمس سيراً في الفضاء ولا تدور بعد ذلك حول الأرض كما هي الحالة اليوم ، لأنّ الأرض تفقد جاذبيتها بسبب برودة جوفها فحينئذٍ تجذبهنّ الشمس إليها .

11 - (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) بالرسُل ، وذلك لما يصيبهم من الخوف والهلع والفزع والعطش علاوةً على أنواع العذاب .

12 - (الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ) أي في حديثٍ باطلٍ يخوضون ، وبأصنامهم (يَلْعَبُونَ) كما تلعب الطفلة بالدمى .

------------------------------------

103 :لَمّا نزل موسى بلوحين وألقاهما على الأرض وتكسّرتا ، عاد مرّةً ثانية وجاء بلوحين آخرين ولكنّه كتبهما بيده فصار المجموع أربعة ألواح

<<السورة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم