كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة آل عمران من الآية( 153) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

153 - ثمّ ذكر المنهزمين من أصحاب النبيّ يوم اُحُد فقال تعالى (إِذْ تُصْعِّدُونَ ) معناهُ ولقد عفا عنكم يوم اُحُد إذ تذهبون في وادي اُحُد وتصعدون على تلالهِ فِراراً من العدوّ (وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ ) أي ولا تلتفتون على أحَدٍ من قومكم جرحى كانوا أم قتلى (وَالرَّسُولُ) محمّد (يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ) أي يناديكم من ورائكم فيقول "ارجعوا إليَ عباد الله ، أنا رسول الله!" (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ ) أي فجازاكم غمّاً على غمّ ، أي غمّاً بالهزيمة بسبب غمّكم للرسول بمخالفته إذ خالفتم أمره وتركتم أماكنكم فحلّ بكم ما حلّ ، ولقد عرّفناكم سبب هذه الكارثة (لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ ) من الغنيمة (وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ ) من القتل والهزيمة ، يعني لئلاّ تحزنوا فتقولوا لماذا لم ينصرْنا الله في هذه الواقعة كما نصرنا يوم بدر ، فتعلمون أنّ سببها كان من أيديكم ، والمعنى : جازاكم الله بهذه الكوارث لأجل مخالفتكم للرسول أوّلاً ولأجل أن تتمرّنوا على الكوارث والمصائب فلا تحزنوا بعد ذلك إن أصابكم مثلها ثانية (وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) فينصركم إن امتثلتم أمرَ نبيّكم ، ويخذلكم إنْ خالفتم أمره .

154 - (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً ) أي أمناً (نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ ) وهم المؤمنون . لَمّا تراجع المسلمون واجتمعوا عند رسول الله وهم يعتذرون إليه أنزل الله تعالى النعاس على المؤمنين فناموا ووضع في قلوبهم الأمان ليهدأ روعهم لأنّ المشركين توعّدوهم بالعودة للقتال فجلسوا تحت الجُحُف متهيّئين للقتال ، أمّا المنافقون منهم فكانوا خائفين مرعوبين ، وذلك قوله تعالى (وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ ) وهم المنافقون ، أي كان همّهم الوحيد أن ينجُوا بأنفسهم من القتل دون غيرهم (يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ) أي يتوهّمون أنّ الله لا ينصر محمّداً وأصحابه كظنّ الجاهليّة ، وهم المشركون (يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ ) والنهي (مِن شَيْءٍ ) يعني يقول بعضهم لبعض هل لنا من الإمرة والمشورة من شيء ، فلو استشارونا وأخذوا برأينا ما حلّ بِهم ما قد حلّ (قُلْ) لهم يا محمّد (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) يعني إنّ تسيير المسلمين وتدبير أمورهم وتوجيهَهم للنصر والظفَر كلّهُ بيد الله ، فإنّ الله يوحي إلى رسوله وهو يوجّههم للقتال فينتصرون ، ولكنّكم خالفتم أمرَ نبيّكم وتركتم أماكنكم فخسرتم المعركة في هذه الواقعة ، (يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ) أي ما لا يستطيعون إظهاره لك من الشكّ والنفاق (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ ) أي من الإمرةِ والمشورة (شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) أي ما قُتِل أصحابنا في هذا المكان (قُل) لهم في جواب ذلك (لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ) وقد كتبنا على بعضكم أن يُقتَلوا (لَبَرَزَ الّذينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ ) إلى ميدان القتال فقاتلوا وقُتِلوا وأنزلوهم (إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) والمعنى : من قدّرنا عليه القتل يُقتَلْ سواءً أكان في ميدان القتال أم في بيته وعلى فراشه فلا مفرّ من الموت . فالمضجع هو الفراش الّذي ينام عليه الإنسان ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة السجدة {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا } ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الأحزاب {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا } ، وقوله تعالى في سورة النساء {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } والمعنى : لو لزمتم منازلكم أيّها المنافقون والمرتابون وتخلّفتم عن القتال لما تخلّف المؤمنون عن القتال (وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ) أي يختبر ما في صدوركم من نوايا وعقائد بأعمالكم (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ) بأعمالكم فتظهر للمسلمين نواياكم وتنكشف أسراركم فلا يلتفتوا بعد ذلك إلى أقوالكم . والتمحيص هو الامتحان والاختبار ويكون أيضاً بمعنى التنقية من الغشّ (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) فلا يخفى عليه شيءٌ من أسراركم .

155 - (إِنَّ الّذينَ تَوَلَّوْاْ ) عن القتال وانهزموا يوم اُحُد (مِنكُمْ) أي من المسلمين (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) للقتال ، جمع المسلمين وجمع المشركين (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ ) أي طلب زلّتهم بخطّةٍ خطّها لهم فنجحت بيدهِ ، وكان سبب تلك الزلّة (بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ) من الإثم ، والمعنى : وكانت تلك الزلّة بسبب بعض أصحابهم الّذينَ كسبوا إثماً بمخالفتهم أمر رسول الله حيث قال لهم لا تبرحوا مكانكم ، فخالفوا أمرهُ وتركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة من أموال المشركين فجاء العدوّ من ذلك المكان الّذي تركوه وضربهم من خلفهم فوقعت الهزيمة في جيش المسلمين (وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ ) لأنّهم ندموا على ما فرطَ منهم واستغفَروا الله وتابوا (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ ) للموحِّدين لمن تاب منهم (حَلِيمٌ ) لا يعجل بالعقوبة على من عصاه .

156 - ثمّ نهى الله المؤمنين عن الاقتداء بالكافرين والمنافقين في أقوالهم وأفعالهم فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالّذينَ كَفَرُواْ ) في اتّخاذهم العقائد الفاسدة (وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ ) من أهل الكفر والإشراك (إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ ) أي سافَروا فيها للتجارة أو طلب معاش أو هجرة وماتوا بأجلهم (أَوْ كَانُواْ غُزًّى ) أي غزاة مُحاربين فقُتِلوا ، فيقول بعض الكافرين لبعض (لَّوْ كَانُواْ ) مقيمين (عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ) يعني ما مات المسافرون وما قُتِل الغُزاة . فلا تكونوا أيّها المسلمون مِثلَهم ولا تعتقدوا بِهذه العقائد الفاسدة (لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ ) القول (حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) أي في قلوب الكافرين ، والمعنى : لكي يجعل الله تلك المقالة سبباً لإلزام الحسرة والحُزن في قلوبهم (وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ) عند حضور الأجل في السفر والحضر لا مُقدّم لِما أخّر ولا مؤخّرَ لِما قدّم (وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) لا يفوته شيء من أعمالكم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم