كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة آل عمران من الآية( 162) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

162 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بأنّ الأنبياء لا تُقاس بالكفرة والمشركين فقال (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ ) وهو محمّد (كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ ) وهو أبو سفيان ، والمعنى : أتقيسون محمّداً الذي اتّبع رضا الله بأبي سفيان الذي باء بسخط من الله فتقولون لوكنّا من أصحابه وحدثت هذه الحادثة في معسكره لأهاننا وحقد قلبه علينا (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ) يوم القيامة (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) يكون مصيره وأظنّك تقول أنّ النبيّ قد عفا عن أبي سفيان يوم فتح مكّة وقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمِن . أقول هذا صحيح ولكنّ النبيّ من سجاياه الكرم والعفو والشفقة على قومه ولذلك عفا عنه ، ولقد عفا عن كثير من الناس ليس أبو سفيان وحده ، ولكنّ أعمال أبي سفيان وجرائمه لا تغتفر فقد كان رأس الفتنة وسبب العداوة وقائد جيش الكفر ، فقد أهان المسلمين وقتلهم وشرّدهم ، ولكنّ النبيّ عفا عنه بحسن أخلاقه وكريم سجاياه كما قال الشاعر : مَلَكْنا فَكانَ العَفْوُ مِنّا سَجيَّةً فَلَمّا مَلَكتُمْ سالَ بالدَّمِ أبطَحُ فَحَسبُكُمُ هذا التّفاوُتُ بَينَنا وكلُّ إناءٍ بِالَّذِي فيهِ يَنضَحُ فقد قال الله تعالى في سورة المائدة {إِنَّمَا جَزَاء الّذينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ ...الخ} ثمّ يقول {إِلاَّ الّذينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فالتوبة تقبل قبل المقدرة لا بعد المقدرة .

163 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بأنّ الأنبياء على درجات ومراتب وليس كلّهم سواءً في الأخلاق والأعمال فقال (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ ) يعني هم على مراتب ومنازل ، ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الإسراء {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيّينَ عَلَى بَعْضٍ } ، (واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) فيعطي كلاً منهم ما يستحقّه في الآخرة .

164 - (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ ) أي أنعمَ الله (عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ ) يعني عربي من لسانهم وقرشي من قبيلتهم وحجازي من بلدتهم (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ) أي يقرأ عليهم آيات ربّهم ، وهي القرآن (وَيُزَكِّيهِمْ) أي يُطهّرهم من دنس الشرك وعبادة الأوثان (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) أي يُعلّمهم أحكام الكتاب وما في الكتب السالفة من قصص الأنبياء مع أقوامهم ، وذلك بما يوحَى إليهِ من الله (وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ ) أي من قبل مجيء محمّد (لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) أي بيّن لأنّهم كانوا يعبدون الأصنام .

165 - ثمّ عادَ سُبحانهُ إلى ذكر الجهاد فقال (أَوَلَمَّا ) أصلها ولَمّا أصابتكم مصيبة قلتم أنّى هذا ، والألف للاستفهام (أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ ) يوم اُحُد (قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا ) من المشركين يوم بدر ، فقد قُتِل من المسلمين سبعون رجلاً يوم اُحُد ، ولكنّ المشركين قُتِل منهم سبعون واُسِر سبعون يوم بدر ، ثمّ (قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا ) أي كيف يكون هذا الخذلان علينا والنصر للكافرين (قُلْ) يا محمّد (هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) أي قل لهم إنّ الذي أصابكم من قتل وهزيمة كان سببهُ أصحابكم الّذينَ تركوا أماكنهم وذهبوا وراء السلب والنهب فجاء العدوّ من خلفهم وضربهم (إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فقد كان قادراً على نصركم ولكن لم ينصركم في ذلك اليوم لكي تتّعظوا في المستقبل ولا تخالفوا أمرَ نبيّكم .

166 - (وَمَا أَصَابَكُمْ ) أيّها المسلمون (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) جمع المسلمين وجمع المشركين ، يعني ما أصابهم من النكبة والقتل يوم اُحُد (فَبِإِذْنِ اللّهِ ) أي بإرادة الله لأنّكم خالفتم أمر نبيّكم يوم اُحُد وفككتم الأسرى يوم بدر بالفِدية ولم تقتلوهم لكي يقلّ عددهم فتنتصروا عليهم في المستقبل ، فإنّ الله تعالى توعّدهم يوم بدر حين أطلقوا المشركين بالفِدية ولم يقتلوهم فقال تعالى في سورة الأنفال {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فوافاهم بهِ يوم اُحُد ، (وَلِيَعْلَمَ) الله (الْمُؤْمِنِينَ) منكم الّذينَ ثبتوا في مكانهم وقاتَلوا .

167 - (وَلْيَعْلَمَ الّذينَ نَافَقُواْ ) أي ليميّز الله المؤمنين من المنافقين بتلك الحادثة فتنكشف للناس أسرارهم فيعرفون المؤمن من المنافق (وَقِيلَ لَهُمْ ) أي للمنافقين قبل الخروج إلى القتال (تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ ) عن حريمكم وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله ، قال لهم ذلك عبد الله وعمرو بن حزام الأنصاري . فأجاب عبد الله بن اُبيّ ومن كان معه من أصحابه وهم ثلاثمائة رجل (قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ ) أي لو نعلم أنّ علينا واجباً يقضي بالقتال لاتّبعناكم في سفركم هذا وقاتلنا معكم ولكن لا نرى واجباً يقضي بذلك ، فكان هذا عُذرهم (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ) أي ما بدا منهم في تلك الواقعة هو أقرب للكفر مِمّا هو للإيمان ، وهذا تحذير من الله سُبحانهُ وتعالى للمؤمنين بأنّهم منافقون وليسوا مؤمنين (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) أي يقولون ذلك ليعتذروا لكم ولكنّ الذي يضمرونهُ في قلوبهم ويكتمونهُ من النفاق غير الذي يُظهرونهُ بألسنتهم (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ) فلا تخفى عليه خافية .

168 - (الّذينَ قَالُواْ) يعني المنافقون قالوا (لإِخْوَانِهِمْ) في النفاق ، يعني قال بعضهم لبعض ، وهم عبد الله بن اُبيّ وأصحابه قالوا في قتلى اُحُد (وَقَعَدُواْ) عن القتال ، يعني قعدوا في ديارهم ولم يخرجوا مع النبيّ ، قالوا (لَوْ أَطَاعُونَا ) في القعود وترك الخروج إلى القتال (مَا قُتِلُوا قُلْ ) يا محمّد لهم (فَادْرَؤُوا) أي ادفعوا (عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ ) إذا جاء أجلكم (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) في هذه المقالة .

169 - لَمّا قُتِلَ جمعٌ من أصحاب النبي يوم اُحُد حزنَ النبيّ عليهم ، فنزل قوله تعالى (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الّذينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا ) لأنّ الإنسان الحقيقي هو النفس لا الجسم (بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ ) في الجنان الأثيريّة (يُرْزَقُونَ) من ثمارها ويشربون من أنهارها .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم