كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة لقمان من الآية( 17) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

17 - (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ) الذي وعظتك به ( ذَ‌ٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي هذه الصفات الحميدة من صفات الأنبياء أولي العزم ومن صفات الملائكة وعزمهم عليها وبهذه الصفات والأعمال وصلوا إلى هذه المنزلة عند الله .

18 - (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي لاتُمِلْ برقبتك تذلّلاً للناس لتسأل شيئاً ليعطوك بل سلْ حاجتك من الله . وهذا مثل يُضرَب في الذلّ ، ومن ذلك قول الشاعر:

عِشْ عزيزاً أو مُتْ حميداً بخيرٍ ... لاتضعْ للسؤالِ والذلِّ خدّا
كمْ كريمٍ أضاعَهُ الدهرُ حتّى .... أكلَ الفقرُ منهُ لحماً وجِلدا
كلّما زادَهُ الزمانُ إتّضاعاً .......... زادَ في نفسِهِ عُلوّاً ومَجدا
فالأصعر هو الذي يميل برقبته اما تذللاً وإما لمرضٍ اصابه، والشاهد على ذلك قول حسان بن ثابت الأنصاري :
تَصُدُّ إذا ما وَاجهتْني خُدودُهُم ..... لدَى محفلٍ عنّي كأنّهمُ صُعْرُ
مفرد الصُعر أصعر ، وهو الذي يميل برقبته على الدوام لمرض أصابه . يقول الشاعر :
إذا واجهوني في محفلٍ أمالوا برؤوسهم عني لشّدة بغضهم وحقدهم عليّ كأنهم صُعرٌ .
يعني كأنّ في رقابهم مرض يجعلها مائلة . وقال حسّان أيضاً :
وَإنّي لَسَهلٌ لِلصَدِيقِ وإنّني ..... لأعدِلُ رأسَ الأصعَرِ المتمائِلِ
وفي هذا البيت ضرب الشاعر مثلاً بمن يميل برأسه عن الحق ولايرضى به . قال اللهُ تعالى في سورة المنافقون {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ} أي أمالوا رؤوسهم عنك . وقال الفرزدق يمدح عمرو الأسيدي :
وبكرٌ وعبدُ القيسِ وابنةُ وائلٍ ..... أقرّتْ لهُ بِالفضلِ صُعراً خدودُها
وقوله تعالى ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) أي فرحاً فخوراً مشية المتكبر . والمعنى لا تتذلل في السؤال اذا سألت ولا تفتخر في العطاء اذا أعطيت (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ) أي خدّاع والشاهد على ذلك قول امرئ القيس :
ألا يحبسُ الشيخُ الغيورُ بناتهُ ..... مخافةَ جنبيّ الشمائلِ مختالِ
(فَخُورٍ) أي يفتخر على الناس بما أعطى من المال .

19 - (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) يعني وأصلِح بين الناس في مشيك ، فالقصد معناه الإصلاح والإرشاد ، وقد سبق شرح كلمة القصد في سورة النحل عند قوله تعالى {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} .

(وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) عند التكلّم ، أي لاترفع صوتك عالياً (إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) .

20 - (أَلَمْ تَرَوْا ) أيها المسلمون (أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ ) الغازية من رياح وسحاب ومطر (وَمَا فِي الْأَرْضِ) من أنهار وبحار ودوابّ وبقر (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) أي وسّع عليكم نعمه (ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) فالظاهرة نعم الدنيا من صحة ومال وولد وغير ذلك ، أما الباطنة فهي نعمة الإسلام والهداية إلى طريق الصلاح ، اذ لاتنكشف حقيقة دين الإسلام عند أهل الأديان الأخرى وتظهر للعيان إلا في الآخرة فيعلمون هو خير الأديان (وَمِنَ النَّاسِ) أي من المشركين (مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) أي يخاصم في دين الله (بِغَيْرِ عِلْمٍ ) بما يقول ولا دليل معقول (وَلَا هُدًى) من الله (وَلَا كِتَابٍ) سماوي (مُّنِيرٍ ) للطريق ، يعني واضح الدلالة .

21 - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ ) على رسولهِ (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ) من الدِين والعقائد ، فردّ الله عليهم قولهم فقال تعالى (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) ببقائهم على تقليد آبائهم . ثمّ أثنَى على المؤمنين فقال تعالى :

22 - (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ) يعني ومن ينقاد الى دين الله ويتّجه بقلبه الى الله (وَهُوَ) مع ذلك (مُحْسِنٌ) مع الناس بالأخصّ الفقراء منهم والمحتاجين (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ) أي فقد تعلّق بالعروة الوثيقة التي لاتنفصم ، وهذا مثل ضربه الله تعالى ، فشبّه المشرك كالغريق في البحر ، ودين الإسلام كالسفينة السائرة في البحر وفيها عرىً مدلّاة فمن قبض على واحدة من تلك العرى نجا من الغرق ( وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) أي إلى الله ترجع النفوس بعد الموت فيجازيها على حسب أعمالها .

23 - (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ) بعد الموت (فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ) يعني نُعاقبهم ونذكّرهم بأفعالهم السيّئة (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) أي عليم بأسرارهم .

24 - (نُمَتِّعُهُمْ) في الدنيا بالمال والأولاد (قَلِيلًا) من الزمن (ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ ) في الآخرة (إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ) أي نُصيّرهم مُكرَهين إلى عذاب يغلظ عليهم ويصعب .

25 - (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) أي الكواكب السيّارة ومن جُملتها الأرض (لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) خلقهنّ (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) الّذي هداني من بين قومي وأعطاني الكتاب وعلّمني ما لم أكن أعلم (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) طريق الحقّ بسبب تقليدهم لآبائهم .

26 - (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) مُلكاً وعبيداً (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ ) عن عبادة الكافرين (الْحَمِيدُ) أي المستحقّ للحمد على نَعمائهِ لخلقهِ .

27 - لَمّا انقطع الوحي عن النبي أياماً لأنه لم يقل ان شاء الله آتيكم بالجواب غداً ، قال المشركون لقد نفدت كلمات ربك يامحمد ، لقد جفاك ربك ، لقد قلاك . فنزلت هذه الآية رداً على قولهم وإستهزائهم :

( وَلَوْ أَنّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ) يُكتب بها (وَالْبَحْرُ) مداداً أي حبراً يُكتَب به على الورق (يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ ) أي من بعد نفاد البحر الأوّل كتابةً (سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ) أخرى حبراً يُكتَب بها (مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) يعني لتكسّرت الأقلام ونفد ماء البحر كتابةً وما نفدت كلمات الله ، أي لم تنتهِ (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) في ملكه ينتقم من المشركين (حَكِيمٌ) في إرسال الرسل إلى الناس . وقد سبق تفسير مثل هذه الآية في سورة الكهف .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم