كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الشورى من الآية( 22) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

22 - (تَرَى الظَّالِمِينَ) ساعة مماتهم (مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا) من الآثام ، أي خائفين (وَهُوَ) أي العذاب الذي يخافونه (وَاقِعٌ بِهِمْ) لا محالة ، يعني يصيبهم العذاب ولا مفرّ منه (وَ) ترى (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ) في السّماوات الأثيرية (ذَ‌ٰلِكَ) العطاء لهم (هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) من الله عليهم .

23 - (ذَ‌ٰلِكَ) النعيم (الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ) به (عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي على تبليغ الرسالة وتعليم الشريعة مالاً (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) يعني لا أريد منكم أجراً ولكن أريد أن تحبّوا أقرباءكم الفقراء وتصلوهم بالعطايا لكي يغفر الله لكم ما سلف من خطاياكم .

ومثلها في سورة الفرقان قوله تعالى {قل ما أسئلكم عليه من أجرٍ إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً} . والمعنى إلا أن تعملوا الأعمال الصالحة ومن جملتها صلة الفقراء من أقربائكم وبذلك تتخذون طريقاً يوصلكم إلى الجنّة فتكونون بجوار ربكم . وليس المقصود من الآية السابقة مودّة أقرباء الرسول إذ أنّ أكثرهم مشركون مثل أعمامه أبي جهل وأبي لهب وغيرهم ، فلو قال الّا المودّة في أهلي لكان بذلك يريد أهل بيته ولكنه قال في القربى . وقال تعالى في سورة البقرة {وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى}. وقال أيضاً {وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ } ـ وقال أيضاً :{وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فأرزقوهم منه} .
وقوله (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً) أي يكسب حسنة بِصِلَة ذوي القربى (نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) في الآخرة ، يعني نزد له في الثواب وفي المنزلة وحُسن الذكر بين النفوس (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) للمحسنين (شَكُورٌ) للمنفقين في سبيله .

24 - (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) فادّعى الرسالة (فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ) والمعنى لو علمنا أنك تخون الأمانة وتغيّر بعض ما أنزلنا عليك من الوحي لختمنا على قلبك لئلا تفهم شيئاً من الوحي ولأخذناه منك ، ولكن علمنا أنك أمين وصادق ففتحنا قلبك لتلقّي الوحي ولكي تفهمه وتقرأه عليهم ، ثم لو أصابتك وسوسة باطلة من شيطان أو إنسان فإن الله تعالى يدفعها عنك (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ) من قلبك الذي يصيبك من الوسوسة (وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) أي ويثبت الحق في قلبك بآياته المنزلة عليك (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي عليم بما في القلوب التي في الصدور .

ومثلها في المعنى قوله تعالى في سورة الحاقة {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين} ، أي لأخذنا منه الوحي السابق بالقوّة ، ثمّ لقطعنا منه الوتين . أي ثم لقطعنا عنه الوحي اللّاحق . فكلمة "وتين" معناها اللاحق أو المتّصل ومن ذلك قول كعب بن زهير يرثي ربيعة بن مكدّم حين لحقه نبيشة بن حبيب وقتله مع جماعته في الطريق وكان معه ظعائن فيهن أخته وأمه وزوجته فقال :
وهو التَّرِيكَةُ بالمِكَرِّ وحارثٍ ..... فَقْعَ القَراقِر بالمكانِ الواتِنِ
فقول الشاعر بالمكان الواتن ، يعني بالمكان المتّصل الذي لحقه فيه نبيشة وأصحابه . وقال الشّماخ بن ضرار يخاطب عَرابة :
إذا بَلَغْتِني وحَملْتِ رَحلي ..... عَرابةَ فاشْرَقي بِدمِ الوَتينِ
اي بالدم المتّصل من ساق الناقة . لأنهم كانوا إذا جاع أحدهم في الصحراء ولم يجد شيئاً ليأكل فصد الناقة وأكل دمها ، ثم يشدُّ مكان الفصد بخرقة فينقطع الدم ، وعَرابة إسم إمرأة ؛ يقول الشاعر لهذه المرأة إحملي رحلي على الناقة وأقبلي إليّ به فإذا لم تجدي زاداً للسفر أُفصدي الناقة وكلي دمها حتى تصلي اليّ، وأما قوله فاشرقي بدم الوتين ، لأنّ من يأكل الدم يشرق به من حيث لا يستسيغهُ ، والمعنى يقول لها تحملي مشقات السفر وكلي من دم الناقة حتى تصلي إليّ . وقال الفرزدق يصف امرأةً تحلب ناقة :
إذا جَمَعَتْ لَهُ لَبَناً أتَتْهُ ..... بِضَهْلِ وَتينِها تَخشَى الغِرَارَا
يقول الشاعر إذا جمعت له لبناً صبّرته أن لا يذهب به حتى يجتمع الباقي الذي تحلبه من الناقة ما دام اللبن متّصلاً من ضرعها لأنها تخشى الغرار ، أي تخشى انقطاعه .

25 - (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) التائبين (وَيَعْفُو عَنِ السيئات ) للمحسِنين (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) من حسنات أو سيئات فيجازيكم عليها .

26 - (وَيَسْتَجِيبُ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) أي يستجيب لسؤالهم في الآخرة فيعطيهم ما سألوا ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الزمَر {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ } ، (وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ) ممّا لم يسألوه (وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) .

27 - (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ ) جميعاً (لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ) أي لو وَسّعَ الله على عباده بحسب ما يطلبون لَبَطروا النِعمة وتنافسوا وتغالبوا وظلموا في الأرض (وَلَكِن يُنَزِّلُ ) من الرزق (بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ) على ما تقتضيهِ المصلحة (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) .

28 - (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) أي المطر (مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا ) أي من بعد ما يئسوا من إنزالهِ ، وذلك امتحاناً واختباراً لهم هل يصبرون أم يكفرون (وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ) على الأرض بإخراج النبات منها (وَهُوَ الْوَلِيُّ ) لمن تولاهُ (الْحَمِيدُ) على نَعمائهِ .

29 - (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أي من علامات وجوده خَلق الكواكب السيّارة ومن جملتِها الأرض (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ) يعني وما نشر فيهما من مخلوقات تدبّ وتمشي عليهِما . ثمّ قال تعالى (وَهُو عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ) ، وهنا تصريح واضح عن إمكانيّة اجتماع سكّان الكواكب السيّارة بأهل الأرض ، ولو قصد سُبحانهُ وتعالى بذلك يوم القيامة حيث تُحشر وتجتمع النفوس للحساب لَما قرَن ذلك بالإشاءة حيث قال (إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ) ، بل لَجاءَت صيغة الآية على التأكيد كما يُلاحَظ ذلك في كثيرٍ من آيات القرآن التي تؤكّد حقيقة الحشر يوم القيامة للحساب والجزاء كقوله تعالى في سورة ي س {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } وكذلك قوله تعالى في نفس السورة {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } . ثمّ إنّه سُبحانهُ وتعالى خصّ هذا الاجتماع بالقدرة عليه بقوله (قَدِيرٌ) لأنّ البشريّة يصعب عليها اليوم هذا الاجتماع بدون سُلطان إلى ذلك . ولكنّ الله جلّت قدرته لا يصعب عليه شيء ، بل هو قادرٌ على أن يجمع بين أهل الأرض وسكّان الكواكب الاُخرى كالمرّيخ مثلاً في الحياة الدنيا قبل الآخرة وذلك بِإلهام الإنسان العلم والمعرفة لبلوغ طموحه المشروع لاكتشاف المجهول في آفاق السماوات والأرض .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم