كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 230) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

230 - (فَإِن طَلَّقَهَا ) زوجها التطليقة الثالثة (فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ) بل حَرُمَتْ عليه إلى الأبد (حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ومعناه كي تتزوّج غيره وتنتهي المشكلة فلا مشاجرة ولا جدال بعد الفراق ، فكلمة "حتّى" تكون بمعنى "كي" والشاهد على ذلك قوله تعالى في السورة نفسها {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ } ومعناه كي يردّوكم ، وقال تعالى في سورة التوبة {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } ومعناه كي يُبيّنَ لهم ما يتّقون . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بأنّ حكم الزوجة مع الزوج الثاني يكون كحكمها مع الأوّل في الطلاق فقال (فَإِن طَلَّقَهَا ) زوجها الثاني التطليقة الأولى (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا ) يعني لا حرج عليهما أن يتراجعا إذا وقع الرضا بين الطرفين ، ولكن بشرط أن يُقيما حدود الله فلا مشاجرة ولا جدال كما كانت مع زوجها الأوّل ، وذلك قوله تعالى (إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ ) يعني إن أصرّا أن يقيما حدود الله (وَتِلْكَ) الأحكام (حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا ) في المستقبل (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ويعقلون . فلو كان المراد من قوله تعالى (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا ) هو إرجاعها إلى زوجها الأوّل كما ذهب إليه المفسّرون للزم عقد من جديد ومهر من جديد وعرس من جديد . إذاً إباحة التراجع أراد بهِ الله تعالى تراجعها مع زوجها الثاني إن كانت التطليقة الأولى أو الثانية ، ولكن إذا وقعت الثالثة تحرم عليه إلى الأبد ولا عودة لها ولا تراجع ولا عقد من جديد . وقد جاء نظير هذا في التوراة أيضاً وذلك في الإصحاح الرابع والعشرين من سِفر التثنية قال [ إذا أخذ رجُلٌ امرأة وتزوّج بها فإن لم تجد نِعمةً في عينيهِ لأنّه وجد فيها عيبَ شيءٍ وكتبَ لها كتاب طلاق ودفعهُ إلى يدها وأطلقها من بيته ، ومتى خرجت من بيتهِ وذهبت وصارت لرجُلٍ أخر فإن أبغضها الرجل الأخير الّذي اتّخذها له زوجة ، لا يقدر زوجها الأوّل الّذي طلّقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجةً بعد أن تنجّست لأنّ ذلك رِجسٌ لدى الربّ . ] ولعلّك تقول ما لنا والتوراة ونحن مسلمون وعندنا القرآن ؟ أقول في جوابك : أليست الشرائع السماويّة واحدة ؟ ألم يقل الله تعالى في سورة النساء {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الّذينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ؟

231 - (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء ) التطليقة الأولى (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) من العِدّة ، يعني وقاربت العِدّة أن تنتهيى (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) إن أردتم إرجاعهنّ (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ ) إلى أهلهنّ (بِمَعْرُوفٍ) إن أصررتم على مُفارقتهنّ (وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ ) عليهنّ ، يعني لا ترجعْها لغايةٍ وهي الإضرار بها فتأخذ مالَها ثمّ تطلّقها مرّة ثانية ، أو تريد أن تعتدي عليها بالضرب والسبّ والإهانة ، أو لغير ذلك من الأذى ثمّ تطلّقها (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) لأنّهُ عرّضها لعذاب الله وسخطهِ (وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا ) يعني لا تتّخذوا هذه التعاليم الّتي أنزلها الله عليكم في القرآن هزواً غير مُبالين بها (وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ) إذ كنتم مشركين فهداكم إلى الإسلام وأنعمَ عليكم هذه النِعم (وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ) يعني واذكروا أيضاً نِعمة الله إذ أنزل عليكم كتاباً من الكتُب السماويّة وفيه هذه الأحكام والمواعظ (يَعِظُكُم بِهِ ) أي بالكتاب ، وهو القرآن (وَاتَّقُواْ اللّهَ ) في أوامره ولا تخالفوها (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فلا يفوته شيء من أعمالكم .

232 - ثمّ خاطب القضاة وأولياء المطلّقات فقال تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) من العِدّة ، يعني إذا انتهت عِدّتها (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ) "العَضْل" معناه الحبس والحصار والمنع ، تقول العرب "عضلت الناقة" فهي مُعضلة" إذا احتبس ولدها في بطنها ، و"عضلت الدجاجة" إذا احتبس بيضها ، ومن ذلك قول حسّان في بني قريظة : لقدْ لَقِيَتْ قُرَيظَةُ ما عَظَاهَا وَحَلَّ بِحِصْنِها ذلٌّ ذَلِيلُ والمعنى : فلا تمنعوهنّ (أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ) يعني إذا ندم الزوج على طلاق زوجته الّتي طلّقها مرّة واحدة أو مرّتين بأن يتزوّجها من جديد بمهرٍ قليل مناسب فلا تمنعوها من النكاح بزوجها (ذَلِكَ) الحُكم (يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ ) أيّها القضاة (يُؤْمِنُ بِاللّهِ ) فيأمل ثوابه (وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) فيخشى عقابه ولا يرتشي أو ينتفع ليزوّجها برجل آخر (ذَلِكُمْ) النكاح من جديد للزوجات المطلّقات وإعادتهنّ لأزواجهنّ (أَزْكَى لَكُمْ ) يا أولياء المطلّقات ، أي أشرف لكم بإعادتها لزوجها من أن تتزوّج برجل ثاني (وَأَطْهَرُ) لهنّ (وَاللّهُ يَعْلَمُ ) عواقب الاُمور (وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) العاقبة .

233 - (وَالْوَالِدَاتُ ) تقديره وعلى الوالدات المطلّقات أن (يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ ) من أزواجهنّ (أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) لولده ، وإذا لم يُرد إتمام الرضاعة بسبب فقره وعدم استطاعته على النفقة جاز له أن يأخذه قبل ذلك بثلاثة أشهر ، يعني وقت الفطام فيكون إرضاعه واحداً وعشرين شهراً (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ) أي وعلى أبي الولد (رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ) أي رزق الوالدات وكسوتهنّ (بِالْمَعْرُوفِ) يعني بما يستطيع أن ينفق على اُمّ الولد . والمعنى : على الاُمّهات إرضاع أولادهنّ سنتين كاملتين إن أراد الأب إتمام الرضاعة ، وعلى الأب نفقة اُمّ الولد وكسوتها ما دامت ترضع ولده (لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ) يعني إلاّ قدر إمكانها (لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ) أي لا تنزلوا الضُرّ بالوالدة بسبب ولدها ، والمعنى : لا يأخذ الأب ولده طلباً للإضرار باُمّه ولا يقطع النفقة عنها فيضرّ بحالها (وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ) أي ولا تنزلوا الضرّ بالأب بسبب ولده ، وذلك بأن تطلبوا منه نفقة أكثر مِمّا يُطيقه ، ولا تمتنع الاُمّ عن الإرضاع إذا اُعطِيَت نفقتها وذلك لأجل الإضرار بوالده (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ) من الرزق والكسوة للوالدة إذا مات الوالد ، والمعنى : إذا مات الوالد أو كان عاجزاً أو مريضاً أو أصابه جنون فالوارث يقوم بأداء النفقة مقامه ، والوارث مَن كان أقرب للوالد كابنهِ الكبير مثلاً فهو يقوم بالنفقة لزوجة أبيه المطلّقة المرضعة (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً ) يعني فإن أرادَ الأبوان فطام الولد قبل الحولَين (عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ) بينهما ، يعني بين الأم والأب (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) أي فلا حرج عليهما في ذلك (وَإِنْ أَرَدتُّمْ ) أيّها الآباء (أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ ) أي تطلبوا لهم مُرضعات غير اُمّهاتهم ، وذلك إذا انقطع لبن الاُم أو اعتراها مرض أو أبَتْ إرضاعه لسبب من الأسباب أو كان الأب فقيراً ولا يتمكّن من دفع النفقة وعنده من يرضع الولد مجّاناً (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) في ذلك (إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ) يعني : إذا سلّمتم لاُمّ الولد بقايا ما آتيتم لها من النفقة بالمعروف ، أي بلا مُماطلة ولا مجادلة ولا تأخير ، فحينئذٍ لا حرج عليكم أن تطلبوا لأولادكم مرضعة اُخرى (وَاتَّقُواْ اللّهَ ) في المماطلة والتأخير في نفقتها (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فيجازي كلاً على عمله . فإذا تزوّجت اُمّ الولد فليس لها نفقة بعد ذلك وتكون النفقة للولد فقط . واعلم أنّ لفظة "ولد" تطلق على الذكر والاُنثى معاً ولا فرق في الحُكم بين الذكر والاُنثى في النفَقة ومدّة الرضاعة وغير ذلك مِمّا جاء في هذه الآية .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم