كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة العنكبوت من الآية( 41) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

41 - ثمّ ضرب الله مثلاً بسدنة الأصنام والأوثان الذين يخدمونها ويدعون الناس إلى عبادتها كالعنكبوت التي اتخذت بيتاً للصيد فقال تعالى (مَثَلُ) السدنة (الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ) وهي الأصنام والأوثان ومن يدعو إلى عبادتها (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا)82 لتصيد به الذباب والحشرات ، ولم تتخذه ليحميها من برد وحر ولا ليحميها عن الرياح بل لأجل الصيد فقط ، فكذلك خَدَمة الأصنام والأوثان اتّخذوها وسيلة لكسب المال من ضعفاء العقول فيجلبون لهم النذور والهدايا والقرابين وغير ذلك من أفرشة ومتاع ويعيشون على مال الحرام . ثمّ بيّن سبحانه بأنّ ذلك لا يدوم لهم إلا مدة قصيرة وينتقلون بموتهم إلى عالم النفوس فيعاقبهم على أفعالهم فقال تعالى (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ)أي أدقّها (لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) الحقيقة ، والمعنى إنّ الأصنام أضعف من كل مخلوق فهي لا يمكنها أن تدافع عن نفسها إذا أصابها خطر من تحطيم أو كسر فكيف يمكنها أن تدافع عنكم أو تشفع لكم ؟ وخيط العكبوت مكوّن من خمسة وعشرين خيطاً لكل واحد منها ، فترى الجمع بهذه الدقّة ، فكيف بدقّة خيط واحد من خمسة وعشرين ، وهذا لم يكن يعلمه احد من قبل لو لم تكشفه لنا آلات التكبير في هذا العصر ، وقد رسم العنكبوت وذنبه الذي يغزل الخيوط الشيخ طنطاوي جوهري في كتابه (الجواهر في تفسير القران) عند تفسير هذه الآية . والعناكب أجناس كثيرة تختلف باختلاف الأقطار التي تعيش فيها ، فبعض العناكب ضارّة سامّة تلدغ كالعقرب وبعضها نافعة تنسج الحرير مثل دودة القز .

ولقد أصبح اليوم الكثير من هؤلاء الدجّالين الذين يغوون الناس ويدعونهم إلى عبادة القبور بحجة أنّها قبور الأولياء لأجل أن يعيشوا على المال الحرام ولا يحسبون للعاقبة حساباً ، فترى رجلاً سيّء الأخلاق رذيلاً قد عافه الدهر ونبذه أهله يأتي إلى مكان يقع على طريق مارّة فيجمع التراب ويبني هناك قبراً ويأتي بخرقة خضراء فيضعها فوق القبر المصطنع ، ثم يأتي بشمعة فيوقدها فوق القبر ، ثم يضع له إسماً وينسبه لأحد أبناء الأنبياء أو المشايخ أو الائمة ، فإذا مرّ به أحد من الناس وسأله عن القبر فيقول هو إبن الحسن ، أو ينسبه إلى غيره من الأئمة ثم يأخذ في مدح ذلك القبر فيقول أنّه أظهر المعجزات فشفَى المرضى وفتح عيون العمي وأقام المقعدين فقاموا يمشون ، وهكذا يغوي الناس بكذبه ودجله فينتشر خبره في القرى والمدن المجاورة له فتأتي الناس بالهدايا والنذور والذبائح والشموع وغير ذلك ، فلا يذهب من الوقت سنة واحدة إلا وأصبح ذلك الرجل غنياً محترماً بين الناس له أنعام وأملاك ونقود وغير ذلك من مال الناس ، ولايعلم أنّه قد باع آخرته بدنياه وألقى نفسه في جهنم وألقى جمعاً غفيراً من الذين عبدوا القبور وقدّسوها ، فمثله كمثل السامري الذي صنع عجلاً من ذهب ودعا قومه لعبادته فعبدوه ، فهو شيطان من شياطين الإنس حسبه جهنم وبئس المصير .

42 - ثمّ أخذ سبحانه في تهديد المشركين بالعذاب فقال (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) فيجعل الاصنام حصباء لجهنم والداعين للأصنام والأوثان حطبها (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في سلطانه (الْحَكِيمُ) في أفعاله . وكلمة "شيء" معناها المادة .

43 - (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ) التي سبقت (نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ) تقريباً للفهم (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) أي ومايفهمها إلا الذين خصّهم الله بعلمه والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

44 - (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أي الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض (بِالْحَقِّ) أي بالوعد الحق ، يعني بخراب المجموعة الشمسية . ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} أي يقول للكون كن خراباً فيكون ، وهو يوم القيامة الذي تتمزّق فيه الشمس وتوابعها . وقد شرحت عن الكون والسماوات والأرض وغير ذلك من علائم القيامة في كتابي الكون والقران شرحاً وافياً (إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ) الخراب (لَآيَةً) على قيام الساعة (لِّلْمُؤْمِنِينَ) بوقوعها .

45 - (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) أي من الكتب السماوية القديمة ، وهي قصص الأنبياء إقرأها على قومك (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ) في اصحابك (إِنَّ الصَّلَاةَ) المقبولة (تَنْهَىٰ) صاحبها (عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ) إيّاكم برحمته (أَكْبَرُ) أي أكثر من ذكركم بطاعته. ونظيرها في المعنى في سورة البقرة قوله تعالى{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}.

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) من خير أو شرّ فيجازيكم على أعمالكم إمّا عاجلاً او آجلاً .
قال بعض الحكماء : إنّ الله نصب لك شيئين أحدهما آمر والأخر ناهٍ ، فالأول يأمر بالشرّ وهي النفس {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} والآخر ينهى عن الشرّ وهي الصلاة {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} وكلّما أمرتك نفسك بالمعاصي والشهوات فاستعن عليها بالصلاة .

46 - (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ ) في أمر الدِين (إِلَّا بِالَّتِي ) أي بالطريقة الّتي (هِيَ أَحْسَنُ ) من طريقتهم ، يعني جاوبوهم بالأدلّة العقليّة والبراهين العِلميّة (إِلَّا الّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) فغصبوا حقّكم أو اعتدَوا عليكم أو نقضوا عهودكم فأولائك لا يفيد معهم الجدال بل يفيد القتال (وَقُولُوا) لغير الظالمين منهم (آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا ) أي بالقرآن (وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ ) أي بالتوراة ، يعني ما جاء في الألواح لأنّها التوراة الأصليّة (وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) أي مستسلمون مُنقادون .

47 - (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ) كما أنزلنا على موسى التوراة (فَالّذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يُريد بهم الّذينَ أسلموا من اليهود والنصارى (يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أي بالقرآن (وَمِنْ هَؤُلَاءِ ) العرب (مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ) لنِعمتنا .

------------------------------------

82 :والتاء للتأنيث ، لأنّ الأنثى هي التي تنسج البيت ، والانثى تأكل الذكر ، والافراخ بعضها يأكل بعضاً .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم