كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 44) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

44 - (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ) وذلك قبل دخولهم فيها قائلين لهم (أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا ) من الثواب (حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ ) من العقاب (حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ ) وجدنا كما أخبرتنا بهِ رُسُلُهُ (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) أي بين المؤمنين والكافرين ، وهو نبيّهم ، قائلاً (أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) .

45 - (الّذينَ يَصُدُّونَ ) الناس (عَن سَبِيلِ اللّهِ ) يعني عن دينهِ وطريقهِ ويمنعونهم من اتِّباع رسولهِ (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ) يعني غايتهم اعوجاج الحقيقة وإرجاعهم إلى عقائدهم الباطلة (وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ) أي مُنكرون للبعث والحساب .

46 - (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) يعني بين أهل الجنّة وأهل النار حجاب ، وهو سور يسمّى سور الأعراف ، وذلك قوله تعالى في سورة الحديد {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ } ، وكلّ مُرتَفَع من الأرض يُسمّى أعراف لأنّهُ يُعرّفك الطريق ،
ومن ذلك قول الشمّاخ : وَظَلَّتْ بِأَعْرافٍ تُعالِي كَأَنّهَا رِماحٌ نَحَاهَا وِجهةَ الرُّمْحِ راكِزِ
وقال الآخر : كُلُّ كِنَازٍ لَحْمُهُ نِيَافِ كَالعَلَمِ الْمُوفِي عَلَى الأَعْرافِ
وقال جرير : أَلا حَيِّيا الأَعرافَ مِن مَنبِتِ الغَضا وَحَيثُ حَبا حَوْلَ الصَريفِ الأَجارِعُ
(وَعَلَى الأَعْرَافِ ) أي وعلى ذلك السور المسمّى بسور الأعراف (رِجَالٌ) هُداة ، وهم الأنبياء والرُسُل (يَعْرِفُونَ كُلاًّ ) من المؤمنين والكافرين (بِسِيمَاهُمْ) أي بعلامات تبدو على وُجوههم (وَنَادَوْاْ) الرجالُ الّذينَ هم على الأعراف ، نادَوا (أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) الّذينَ لا يزالون في المحشر ، فقالوا لهم (أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ) وهذهِ بشارة لهم بأنّهم سلموا من جهنّم وسيدخلون الجنّة عن قريب . ثمّ أخبرَ سُبحانهُ بأنّ هذا السلام يكون لهم قبل دخول الجنّة فقال (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) في دخولها لِما رأوا من علائم الخير والبشارة لهم من الملائكة والسلام من الأنبياء .

47 - (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ ) أي أبصار أهل الجنّة قبل دخولهم فيها (تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ ) أي نحوهم ،
ومن ذلك قول الحارث بن هشام : وشَمَمْتُ رِيحَ الْمَوْتِ مِنْ تِلْقائِهمْ في مَأزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ
( قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .

48 - (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ ) أي الأنبياء والهُداة الّذينَ هم على السور ، نادَوا (رِجَالاً) من المشركين والكافرين الّذينَ هم بالمحشر (يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ) أنّهم كافرون (قَالُواْ) أي قال الهُداة للكافرين (مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ) أي لم ينفعكم جمعكم اليوم ولم يدفع عنكم شيئاً من عذاب الله ،
ومن ذلك قول عنترة : وكمْ أبْكِي علَى إلْفٍ شَجَانِي وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَوِيلُ
(وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) في دار الدنيا على الأنبياء وعلى المؤمنين .

49 - ثمّ تشير الأنبياء إلى المؤمنين الّذينَ هم في المحشر ، مُخاطبين بذلك الكافرين ، قائلين (أَهَـؤُلاء الّذينَ أَقْسَمْتُمْ ) عليهم في دار الدنيا وقلتم (لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ) لأنّهم تركوا عبادة الأصنام وكفروا بِها ؟ فاليوم نقولُ لهم (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) أي لا خوفٌ عليكم من النار ولا تحزنون على فراق الجنّة .

50 - (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) بعد أن دخلوها (أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ ) من الفواكه والأطعمة (قَالُواْ) أي قال أصحاب الجنّة (إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ) .

51 - (الّذينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ ) أي نتركهم في النار (كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا ) أي كذّبوا بيوم القيامة وأهملوا أمرهُ حتّى نسُوهُ (وَمَا) أي وكما (كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) أي كما كانوا لآياتنا ومعجزاتِ رُسُلنا يُنكرون .

52 - ثمّ سأل أهل الجنّة الّذينَ هم بالمحشر سألوا الأنبياء عن أهل النار الّذينَ هم في المحشر فيقولون هل أرشدتموهم وعلّمتُموهم وذكّرتُموهم بهذا اليوم كما أرشدتُمونا كي يؤمنوا كما آمنّا؟ فقالوا بلى أرشدناهم وذكّرناهم (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ ) أيضاً من عند الله (فَصَّلْنَاهُ) لهم ، أي قرأناه لهم وبيّنّا لهم أحكامهُ على التفصيل وكان نهجه (عَلَى عِلْمٍ ) من الله وليس نهجهُ موضوعاً على جهلٍ فهو (هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ولكنّهم كذّبوا بهِ واستكبروا واغترّوا بكثرة أموالهم وعددهم .

53 - ثمّ استنكر الله تعالى امتناع المشركين عن الإيمان بالبعث وبعالم النفوس مع كثرة الأدلّة والبراهين على وجود الأرواح فقال (هَلْ يَنظُرُونَ ) أي هل ينتظرون (إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ) يعني إلاّ كشف حقيقة البعث وعالم النفوس فحينئذٍ يؤمنون حيث لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت . فالتأويل هو إظهار الحقيقة وكشف ما التبس علمُه على الإنسان ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة يوسف حاكياً عن الكهنة قولهم {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } ، يعني بكشفِ حقيقة الأحلام بعالمين ، وقال الأعشى : اُؤَوِّلُ الحُكْمَ علَى وَجْهِهِ ليسَ قَضَائِي بِالهَوَى الجائِرِ (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ) يعني يوم يأتيهم الموت تنكشف لهم عن الحقيقة فحينئذٍ (يَقُولُ الّذينَ نَسُوهُ ) أي الّذينَ انشغلوا بالدنيا فنسُوا الموت (مِن قَبْلُ ) يعني من قبل موتهم كانوا مشغولين بالدنيا ولَمّا ماتوا ورأوا ملائكة الموت بأبصارهم قالوا (قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ) ولكن كذّبناهم وسخرنا منهم والآن عرفنا أنّهم على حقّ (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا ) عند الله (أَوْ نُرَدُّ ) إلى الدنيا (فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) فقال اللهُ تعالى (قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ ) لأنّهم أوقعوها في العذاب (وَضَلَّ عَنْهُم ) أي ضاعَ وذهبَ عنهم (مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) أي ما كانوا يكذبون به على أنفسهم من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم