كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة المائدة من الآية( 67) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

67 - لَمّا أعلن النبيّ دعوته لقريش لقي الأذى منهم والتكذيب والاستهزاء ، فصار يدعو الناس سِرّاً دون الجهر وتماهل في الدعوة ، فنزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) قومك (مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) ولا تَخَفْ (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) للناس (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) أي يحرسك فلا يقدرون على قتلك (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) بنعمتهِ إلى طريق الصواب فلا تتماهل عن القيام بواجبك إذا أنكروا عليك فالله يهدي من يشاء . وقد قال بعض المفسّرين أنّ الله تعالى أمر النبيّ أن يجعل عليّاً بن أبي طالب خليفة على المسلمين من بعده ، فكتم النبيّ ذلك خوفاً أن يعترض بعض المسلمين على ذلك فنزلت هذه الآية . أقول لا دليل على ذلك في الآية إذ لو كان الأمر على ما قالوا وكان خوف النبيّ من بعض المسلمين لقال الله تعالى في آخر الآية "والله لا يهدي القوم الفاسقين" ، ولكنّ الله تعالى قال (لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ، وهذا دليل أنّ التبليغ يخصّ الكافرين ولا يخصّ المسلمين ، ثانياً : لو صحّ ما قالوا لوجدنا الآية الّتي أمر الله النبيّ بها أن يجعل عليّاً خليفة من بعدهِ في سورة من سور القرآن ، ولكن لا توجد في القرآن آية تأمر النبيّ بذلك .

68 - (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ) من الدِين الصحيح (حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ) يعني حتّى تقوم اليهود بتصليح التوراة ، والنصارى بتصليح الإنجيل ، أي بتصحيح ما غيّروا منهما وبدّلوه (وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ) من واجبات تؤدّونها وأحكام تُقيمونها في التوراة الأصلية والإنجيل الأصلي بما في ذلك الإيمان بخاتم النبيين محمّد بن عبد الله . ثمّ أخبر الله تعالى رسوله عن عنادهم وتعنّتهم فقال (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) في ذمّهم وإظهار أغلاطهم (طُغْيَانًا) عليك (وَكُفْرًا) بكتابك (فَلاَ تَأْسَ ) أي فلا تَحزنْ (عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) لكونهم لم يؤمنوا بالقرآن ولم يُصدّقوك .

69 - لَمّا نزل قوله تعالى في الآية السابقة (فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) ، قالت اليهود إذاً كلّ اليهود كافرون من زمن موسى إلى اليوم بزعمكم ، فنزلت هذه الآية (إِنَّ الّذينَ آمَنُواْ ) بك يا محمّد (وَالّذينَ هَادُواْ ) أي اليهود (وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى ) الّذينَ ماتوا قبل مجيئك يا محمّد (مَنْ آمَنَ ) منهم (بِاللّهِ) وحده ولم يُشرك بهِ شيئاً (وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) يعني وآمنَ بيوم القيامة ، لأنّ الأرض تتمزّق في ذلك اليوم فلا يبقى بعد ذلك ليلٌ ولا نهار (وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من الشياطين في عالم البرزخ (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) على فراق الدنيا .

70 - (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي أخذنا عليهم العهد والميثاق بأن يعبدوا الله وحده ولا يُشركوا بهِ شيئاً (وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً ) بعد موسى يُذكّرونهم بالميثاق ويُرشدونهم إلى عبادة الله وحده وينهَونهم عن عبادة الأصنام والأوثان ولكن لم يسمعوا لقولهم ولم يلتزموا بالميثاق (كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ ) أي بما لا يوافق مُرادهم (فَرِيقًا كَذَّبُواْ ) من رُسُلهم كإشعيا وإرميا وعيسى وغيرهم (وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ) كيحيى وزكريّا وغيرهما .

71 - (وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) أي وظنّوا أن لا تكون عُقوبة لهم في الدنيا على أفعالهم هذهِ (فَعَمُواْ) أمام رُسُلنا ولم يلتفتوا إليهم (وَصَمُّواْ) فلم يسمعوا لقولهم فسلّطنا عليهم أعداءهم فأذلّوهم (ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ) بسبب بُكائهم وتضرّعهم إلى الله (ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ) فانتقمنا منهم بأن بعثنا عليهم ملِك بابل فدمّرهم (وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) معك يا محمّد من مكرٍ وخداع فيعاقبهم على أعمالهم هذه . القصّة : كفر بنو إسرائيل بعد موت سُليمان وأشركوا وعبدوا البعلَ وعشتاروث وعِجلَين من ذهب صنعهما لهم يربُعام وعبدوا الشعرى اليمانيّة ، فأرسل الله لهم أنبياء يُرشدونهم إلى عبادة الله وينذرونهم عن عبادة الأصنام ، فكذّبوهم وقتلوا بعضهم وشرّدوا الآخرين منهم ، ثمّ أرسل إليهم النبيّ إشعيا وإرميا فكذّبوهما ولم يسمعوا لقولهما . فأرسل الله عليهم أليافانا قائد جيش نبوخذنصّر بجيوش جرّارة فحاصرهم وقطع مجرى المياه عنهم فكادوا يموتون عطشاً ، فشكوا ما بهم إلى الله وبَكَوا وتابوا وتذلّلوا وتضرّعوا فعفى الله عنهم وخلّصهم من جيش أليافانا على يد أرملةٍ منهم إسمها يهوديت بأن احتالت على قائد الجيش فقَتَلتْهُ بعد أن سقتهُ خمراً ونام ، وألقى الله الرُعبَ في قلوب جيشهِ فانهزم أمام اليهود ورجع إلى العراق . وبعد بضع سنين عادت حليمة إلى عادتها القديمة كما يُقال في المثَل ، وعادوا إلى كفرهم وإشراكهم فأرسل الله عليهم نبوخذنصّر ملك بابل بجيش جرّار وحاصرهم وقضى عليهم ودمّرهم تدميراً وأخذ الباقين أسرى إلى العراق واستعبدهم سبعين سنة . فالآية السابقة تشير إلى تلك الحوادث باختصار .

72 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ النصارى فقال (لَقَدْ كَفَرَ الّذينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ ) حين جاءهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) ولا تُشركوا بهِ أحداً (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ ) فلا يدخلها يوم القيامة وإن صام وصلّى طول حياته (وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ ) الّذينَ يظلمون أنفسهم بعبادة غير الله (مِنْ أَنصَارٍ ) ينصرونهم ويخلّصونهم من العذاب .

73 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ الفرقة الثانية من النصارى الّذينَ قالوا بالتثليث فقال (لَّقَدْ كَفَرَ الّذينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) وهم أبٌ وابنٌ وروح القُدُس ، يعنون بالأب هو الله وهو روح بلا جسد ، والإبن المسيح ، وروح القُدُس هو دخول الروح أي الأب في جسم المسيح ، فصار مركّباً من روح وجسد بزعمهم فسمّوهُ روح القُدُس ، ولذلك يقولون الثلاثة هم واحد . جلّ الله عن المادّة وتعالى عن دخول الأجسام . فردّ الله تعالى عليهم فقال (وَمَا مِنْ إِلَـهٍ ) في الكون (إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ ) هؤلاء المثلِّثون والقائلون باُلوهيّة المسيح (عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الّذينَ كَفَرُواْ ) أي القائلين باُلوهيّة المسيح والقائلين بالتثليث (مِنْهُمْ) أي من النصارى (عَذَابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم