كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النحل من الآية( 71) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

71 - (وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ ) فمنكم غنيّ ومنكم فقير ومالك ومملوك ليمتحنكم بذلك (فَمَا الّذينَ فُضِّلُواْ ) على غيرهم بالرزق (بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) يعني المالكين لا يُعطون ما زاد من رزقهم وأموالهم إلى مماليكهم ليكونوا مُتساوين في الملْك لأنّهم يأنفون أن تكون المماليك شُركاء معهم في الملْك ، وذلك قوله تعالى (فَهُمْ فِيهِ سَوَاء ) أي في الملْك سواء ، فإن كنتم تأنفون أن تكون المماليك شركاء معكم في الملْك فكيف إذاً تجعلون لله شركاء وكلّهم عبيدهُ ومخلوقاته (أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ) أي ينكرون نِعمة الله عليهم ويجعلونها من آلهتهم .

72 - (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ ) أي من جنسكم (أَزْوَاجًا) لتسكنوا إليها وتأنسوا بها (وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ ) تُسرّون بهم وتأنسون فيهم (وَحَفَدَةً) أي وجعل لكم من أبنائكم حفدةً ، وهم أولاد البنين (وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ) أنواعاً كثيرة من النبات والأشجار والحيوان والطير لا تُحصَى ولا تُعدّ (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ) أي بالأصنام يعتقدون بأنّها تنفعهم وتشفع لهم وتأتيهم هذهِ الخيرات ببركتها (وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) ويجحدون ، ويُريد بنعمة الله الوحي الّذي نزل على رسولهِ وهو القرآن . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الضحى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } أي حدّث الناس بالوحي الّذي أنزلناهُ عليك ولا تكتم شيئاً منه خوفاً من قُريش ، وقال تعالى في سورة القلم {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } ، يعني الرسالة نعمة من الله أنعمها عليك يا محمّد وليست جنوناً كما يزعم هؤلاء المشركون .

73 - (وَيَعْبُدُونَ) الملائكة والأصنام (مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ ) يعني الّتي لا تملك (لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) أصلها من السماء والأرض ، وقد شرحتُ عن السماء في سورة سبأ عند قوله تعالى {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } وبيّنتُ بأنّ الأصل سماء وليس سماوات . يعني لا تملك شيئاً من الرزق لكي ترزقهم بالمطر من السماوات الغازيّة وبالنبات من الأرض (شَيْئًا) من ذلك (وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) على ذلك ، لأنّ ذلك كلّهُ بيد الله وهو الرازق للعباد .

74 - (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) أي لا تجعلوا لله الأشباه والأمثال فتقولوا الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله ، فإنّ الله ليس له مثيل ولا شبيه . ومما يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الزخرف {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} . فالمثَل الذي ضربوه لله هو قولهم الملائكة بنات الله ، والمولود طبعاً يكون مثل الوالد (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) من له منزلة عنده ومن يكرمه بالشفاعة (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ذلك بل تجهلونه .

75 - (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) للمؤمنين في رجلين من بني إسرائيل أحدهما كان (عَبْدًا مَّمْلُوكًا) لسليمان فتمرّد عليه بعد أن أكرمه سليمان وقرّبه ، هو يربعام بن ناباط (لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ) من المال أو الحكم فأعطيناه وملّكناه فكفر وأشرك (وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) من إرث أبيه ، وهو رحبعام بن سليمان (فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ) في سبيل الله (سِرًّا وَجَهْرًا) فتنافس يربعام مع رحبعام بن سليمان على المملكة وحاربه فاتّبع يربعام أكثر بني إسرائيل مع إنّه كافر ومشرك فعمل لهم عجلين من ذهب ودعاهم إلى عبادتها فعبدوهما وأشركوا . والقليل من بني إسرائيل اتّبعوا إبن سليمان الرجل الصالح (هَلْ يَسْتَوُونَ) عند الله الذين اتّبعوا يربعام الكافر فكفّرهم ، والذين اتّبعوا إبن سليمان فأصلح أحوالهم وحسّن دينهم . فقولوا يا أتباع محمد (الْحَمْدُ لِلَّهِ) الذي هدانا إلى طريق الحق وجعلنا من أتباع محمد فأصلح ديننا ونجّانا من هؤلاء المشركين الجاهلين (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الحق ولا يعرفون الحقيقة .

76 - (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) للمشركين (رَّجُلَيْنِ) من بني إسرائيل (أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ) فأطلقنا لسانه (لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ) من المال وتحصيله فأنعمنا عليه بالصحة والمال فكفر (وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ) يعني وكان غبياً ثقيلاً على من تولى أمره وقام بتربيته ، لأنّه كان يتيماً (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ) يعني لا منفعة لمن تولى تربيته ، فالكَلّ هو الغبي الثقيل ، ومن ذلك قول الخنساء :

                               على صَخْرَ الأغَرِّ أبي اليَتَامَى ..... ويَحمِلُ كلَّ مَعثَرَةٍ وكَلاّ

هو السامري الذي صنع العجل لبني إسرائيل فعبدوه (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) هو هارون أخو موسى (وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) يعني على منهج التوحيد وطريق الحق ؟ والمعنى هل هما سواء في الهداية ؟ فالسامري دعا قومه إلى عبادة العجل فاتبعه كثير فكفروا وخسروا وقُتلوا . والقسم الثاني اتّبعوا هارون ولم يعبدوا العجل فربحوا ونجوا من القتل ومن العذاب . وهذا مثَل ضربه الله تعالى للمشركين من قريش فجعل أبا جهل مقام السامري الذي أضلّ قومه بعبادة العجل فخسروا ، وجعل محمداً مقام هارون الذي نهى قومه عن عبادة العجل فربحوا . فاتّبعوا أنتم محمداً لتربحوا كما ربح أصحاب هارون الذين لم يعبدوا العجل .

77 - (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) فأخبرناكَ يا محمّد بما غابَ عنك عِلمهُ من قِصّة السامري وهارون وغيرهما ، فالسماوات والأرض يُريد بها الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ قدرتهُ على خرابهما بدقيقةٍ واحدة فقال (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ ) أي ساعة موت الإنسان (إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) في سُرعتهِ (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) من ذلك (إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

78 - (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) الأسماع من حواسّ النفوس مُفردها سمع ، والأبصار عيون النفوس مُفردها بصر ، والأفئدة قلوب النفوس مُفردها فؤاد ، والمعنى : بعد خروجكم من بطون اُمّهاتكم جعلنا لأرواحكم أسماعاً وأبصاراً وافئدةً ، لأنّ النفس تتكوّن داخل الجسم فتدخل ذرّات الأثير في مسامات الجسم فتبني داخله هيكلاً أثيريّاً يشبهُ الجسم تمام الشبه ، فاليد يتكوّن داخلها يدٌ أثيريّة والعين يتكوّن داخلها عين أثيريّة والاُذن يتكوّن داخلها اُذنٌ أثيريّة ، وهكذا كلّ أعضاء الجسم وحواسّه ، ولكنّ حواسّ النفس تُسمّى سمع وبصر وفؤاد ، قال الله تعالى في سورة الإسراء {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } ، وهذه الثلاثة من حواسّ النفس ، والمعنى : إنّ النفوس تُسأل عمّا عملت من خير أو شرّ لا الأجسام .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم