كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة التوبة من الآية( 73) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

73 - (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ ) بالسيف (وَالْمُنَافِقِينَ) بالزجر والتأنيب (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) بالقول ولا تُعاملهم باللّين (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) في الآخرة (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) يكون مصيرهم .

74 - نزلت هذهِ الآية في أصحاب العقبة أرادوا أن يغتالوا رسول الله في العقبة عند رجوعهم من تبوك وعزموا أن يقطعوا أنساع راحلتهِ ثمّ ينخسوا به ناقته فيسقط من فوقها ، فأطلعهُ الله تعالى على ذلك ، فسارَ رسول الله في العقبة وعمّار وحُذيفة معهُ أحدهما يقود ناقتهُ والآخر يسوقها ، وأمر الناس كلَّهم بسلوك بطن الوادي ، وكان الّذينَ همّوا بقتلهِ إثني عشر رجلاً ، ولَمّا سألهم النبيّ عن ما قالوهُ فيهِ حلفوا بالله أنَّهم ما قالوا شيئاً فيه . فنزل قوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ ) شيئاً يخصّ النبيّ ، ولكنّهم كاذبون (وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ ) أي كلمة الجحود والإنكار ، والمعنى : أنكروا نبوّة محمّد (وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ) يعني أنكروا نبوّتهُ بعد أن اعترفوا له بالنبوّة (وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ) يعني همّوا بقتل النبيّ ليلة العقبة والتنفير بناقتهِ ولكن لم ينالوا ما أرادوا لأنَّ الله أخبرهُ بذلك فأخذ الحذر منهم (وَمَا نَقَمُواْ ) من رسولنا (إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) يعني نقموا من محمّد لأنَّ الله أغناهم ومحمّد أعطاهم من الغنائم فطغَوا ، والمعنى : أنَّهم أبدلوا الحسنة بالسيئة والنعمة بالنُكران (فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا ) عن الحقّ وعن الطريق المستقيم (يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا ) بالمرض والفقر والذلّ (وَالآخِرَةِ) بعذاب النار (وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ ) يتولّى أمرهم ومُساعدَتهم (وَلاَ نَصِيرٍ ) ينصرهم وينجيهم من العذاب .

75 - (وَمِنْهُم) أي من المنافقين (مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ ) قائلاً (لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ ) أي من رزقهِ الواسع (لَنَصَّدَّقَنَّ) أي لنتصدّق على الفقراء والمساكين (وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) .

76 - (فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ ) من المال الواسع (بَخِلُواْ بِهِ ) ولم ينفقوا منه على الفقراء والمساكين كما عاهدوا الله عليه (وَتَوَلَّواْ ) عن الفقراء لئلاّ يسألوهم من أموالهم (وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) عن الدِين وعن ما أمر الله بهِ من الزكاة .

77 - (فَأَعْقَبَهُمْ) البُخلُ (نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ) يعني إلى يوم يلقَون عقابَ الله على بُخلهم ونفاقهم ، وهو يوم موتهم وانتقالهم إلى عالم النفوس (بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ ) من الإنفاق على الفقراء والمحتاجين (وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ) على الله .

78 - (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) "السِرّ" هو النوايا الّتي يكتمها الإنسان في قلبهِ ، و"النجوى" هيَ الأحاديث الخفيّة تكون بين شخصين أو أكثر فيتشاورون فيما بينهم ،
ومن ذلك قولُ الشاعر : إِنِّي إِذا ما القَوْمُ كانُوا أَنْجِيَهْ واضْطَرَبَ القَوْمُ اضْطِرابَ الأَرْشِيَهْ
(وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) "الغيب" كلُّ حادثٍ لا يعلمهُ الإنسان وقعَ أم لم يَقعْ .

79 - ثمَّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ قسم آخر من المنافقين فقال (الّذينَ يَلْمِزُونَ ) أي يعيبون (الْمُطَّوِّعِينَ) أي المتطوّعين (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ) الّتي يُقدّمونها للنبيّ لكي يوزّعها على الفقراء (وَ) يعيبون الفقراء (الّذينَ لاَ يَجِدُونَ ) من المال ليتصدّقوا بهِ (إِلاَّ جُهْدَهُمْ ) يعني إلاّ قدر طاقتهم وتمكينهم ، لأنَّ بعض المؤمنين أغنياء فيأتون بمالٍ كثير وبعضهم فقراء ويحبّون أن يتصدّقوا فيأتون بشيءٍ يسير ، فإذا رآهم المنافقون عابوهم لقلّةِ ما قدّموهُ من الصدقات ، ويعيبون من أتى بالكثير أيضاً فيقولون إنَّهُ يحبُّ الرياء والسمعة ولذلك أتى بمالٍ كثير (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ) يعني المنافقون يسخرون من المؤمنين المتطوّعين بالصدقات ، فقال الله تعالى (سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ ) أي من المنافقين ، يعني سخرَ من جهلهم بعواقب الاُمور (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة . فلَمّا سمعوا هذه الآية جاء بعضهم إلى النبيّ وقال : "إستغفر لي يا رسول الله" ، فاستغفرَ لهُ النبيّ ، فنزلت هذهِ الآية .

80 - (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ) وذِكر السبعين في العدد يأتي للمُبالغة في الكَثرة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) إلى طريق الحقّ .

81 - ثمَّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ المنافقين الّذينَ تخلّفوا عن الجهاد مع النبيّ في غزوة تبوك ورضُوا بالقعود فقال (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ ) يعني المتخلّفون عن الجهاد (بِمَقْعَدِهِمْ) أي بقعودهم في المدينةِ (خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ ) أي بعد ذهاب رسول الله إلى تبوك (وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ ) أي قال بعضهم لبعضٍ (لاَ تَنفِرُواْ ) أي لا تخرجوا (فِي الْحَرِّ ) أي في الصيف (قُلْ) لهم يا محمّد (نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) يعني إنْ كان تخلّفهم عن الجهاد بسبب الحرّ فماذا يكون مصيرهم لَمّا يدخلون جهنّم وكيف يكون حالهم حينئذٍ ؟

82 - (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) الضحك هنا كناية عن الفرح ، والبكاء كناية عن الحزن ، واللّام من قوله فليضحكوا لام العاقبة ، والمعنى : سنجعل حياتهم في الدنيا قليلة الأفراح وكثيرة الأحزان وبذلك يقلُّ ضَحكهم ويكثر بُكاؤهم وذلك جزاءً بما كانوا يكسبون من آثام .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم