كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الشورى من الآية( 8) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

8 - (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) مسلمة (وَلَـٰكِن) بعضهم رحماء موحدون وأكثرهم مشركون ظالمون يظلمون الضعفاء والمساكين ويغصبون حقوقهم فَ(يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) يعني يُدخل الرحماء في رحمته ، أي في جنته (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ) يتولّى أمرهم (وَلَا نَصِيرٍ) يدفع العذاب عنهم .

9 - (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) تقديره هل اتّخذوا الملائكة من دون الله شفعاء ، فالشفاعة لله جميعاً (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) لمن والاه (وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ) أي يُعزّ المؤمنين بعد ذلهم وينصرهم على أعدائهم . فالموت هنا كناية عن الذل ، والحياة كناية عن العزّ والغنى ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} يعني كان فقيراً حقيراً فهديناه وأغنيناه .

(وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من إحياء الموتى وإماتة الأحياء .

10 - (وَ) قل للنصارى (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ) أي في المسيح (مِن شَيْءٍ ) في ولادتهِ وموتهِ (فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) يعني حُكم الاختلاف إلى الله يحكمُ بينكم يوم القيامة ويُعاقبكم على مُخالفتكم للحقّ (ذَلِكُمُ) الحاكم بتعذيبكم هو (اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) في نشر دين الإسلام (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) أي وإليهِ المرجع في سؤالي وطلباتي . وممّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة النساء {وَإِنَّ الّذينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ } يعني الّذينَ اختلفوا في صلب المسيح وموتهِ شاكّين في ذلك فبعضهم قال صُلِب وبعضهم قال لم يُصلَب ، لأنّهم رأوهُ حيّاً بعد ثلاثة أيّام من حادثة الصلب ، فلذلك صاروا في شكٍّ من صلبهِ .

11 - (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) سبق تفسيرها في سورة الزمر في آية 46 ، (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أي من جنسكم أزواجاً لتتناسلوا وتتكاثروا (وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ) لها لكي تتناسل وتتكاثر ، (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) كلمة "ذرء" معناها النشر والتفريق ، ومن ذلك قولهُ تعالى في سورة النحل {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } يعني ما نشر لكم على الأرض من الزرع مُختلفاً ألوانهُ . وقال تعالى في سورة المؤمنون {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يعني فرّقكم في الأرض وإليه تُجمعون يوم القيامة . فقولهُ تعالى (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) معناهُ يفرّقكم في بطون الزوجات ، الذكور في بطون بعضهنّ والإناث في بطون اُخرى ، يعني بذلك الأجنّة التي يخلقها الله في بُطون الزوجات في بيت الأرحام . وقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الكاف من قولهِ "كمثله" كاف التشبيه ، وكلمة "شيء" تخصّ المادّة ، والمعنى : ليس كذاته في المخلوقات الروحانيّة ولا المخلوقات الماديّة (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .

12 - (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لقد سبق تفسير مثل هذه الآية في سورة الزمر في آية 63 .

13 - (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا) أي جعل لكم منهجاً من الدين مثل ما وصّى به نوحاً (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) مثل الذي أوحينا إلى نوح (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) لله واقضوا على الأصنام بالتحطيم (وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) أي في الدين ، إذ الأصل فيه التوحيد ونبذ الأصنام وتهديم الأوثان وإطاعة الرحمن (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) من أمر التوحيد ورفض الأصنام لأنهم مقلِّدون لمنهج آبائهم (اللَّهُ يَجْتَبِي) منهم (إِلَيْهِ) أي إلى دينه (مَن يَشَاءُ) يعني من كان حسن السريرة طيّب النفس كريم الأخلاق رحيم القلب صادق القول فيهديه إلى الإسلام فيُسلم ويؤمن (وَيَهْدِي إِلَيْهِ) أي إلى جنّاته فيكون بجواره (مَن يُنِيبُ) من المسلمين المؤمنين ، أي من يرجع إلى الله بالتوبة والطاعة .

14 - ثمّ أخذ سبحانه في وصف أهل الكتاب واختلافهم في الدين فقال (وَمَا تَفَرَّقُوا) قوم موسى وعيسى (إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) في التوراة والأنجيل بأنّ الله واحد وليس له شريك ، ولكن تفرّقوا عن دينهم وغيّروا شريعة رسولهم وأشركوا بعبادة ربّهم فعبدوا الأصنام ونجوم السماء (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي كانت هذه التفرقة بسبب العداوة التي وقعت بينهم فعبدوا الأصنام في باديء الأمر لأغراض شخصية ثم صارت عادة وتقاليد (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ) بتأجيل العذاب عنهم (إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) أي إلى وقت مماتهم (لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بينهم بالموت والهلاك دفعة واحدة كما أهلكنا الأمم المُكذّبة للرسل (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ) يعني علماؤهم في الدين (لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ) أي إشراك قومهم وتفرقهم عن الدين الأصلي (مُرِيبٍ) أي في شك مقلق للفكر مخيف للعاقبة ، ولكن لم يعترضوا على ملوكهم بما فعلوا ولم ينهَوهم عن اتّخاذ الأصنام وعبادتهم لها بل سكتوا خوفاً على مناصبهم .

15 - (فَلِذَ‌ٰلِكَ فَادْعُ) يعني إلى ذلك الدين أُدع قومك ، وذلك إشارة إلى ما وصّى به الأنبياء وهم الذين سبق ذكرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، يعني أُدع الناس إلى التوحيد الذي سار عليه هولاء الأنبياء وانهج نهجهم (وَاسْتَقِمْ) أي داوم على تبليغ الرسالة (كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) أي أهواء اليهود والنصارى فيما يدعونك إليه (وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ) يعني بما جاء في الألواح التي أنزلها موسى من عند الله (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) إن تحاكمتم عندي ، يعني بين اليهود والنصارى (اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) فلا نعبد غيره (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) يعني إن لم تتّبعوا ديننا فلنا أعمالنا ولكم أعمالكم وفي الآخرة تعلمون أيهما الأصح دينكم أم ديننا (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) أي لا جدال بيننا وبينكم (اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا) يوم القيامة للحساب (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) يعني إليه مصيرنا ومرجعنا بعد الموت .

------------------------------------
الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم