كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يونس من الآية( 93) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

93 - (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي هيّأنا لهم مكاناً وأنزلناهم فيه ، وهي أرض كنعان يعني سوريا والأردن (مُبَوَّأَ صِدْقٍ ) أي مكاناً خصباً صدَقناهم فيه ما وعدناهم به من كثرة الأشجار والأثمار (وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ) أي من الأنعام والطيور (فَمَا اخْتَلَفُواْ ) في دينهم وأشركوا بعبادة ربّهم (حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ ) يعني بعد ما جاءهم العِلم في التوراة وعلى ألسُن أنبيائهم بأن يعبدوا الله وحدهُ ولا يُشركوا به شيئاً ، ولكنّهم اختلفوا في دينهم وأشركوا بعبادة ربّهم ، فعبدوا البعليم وعشتاروث والشعرى اليمانيّة وغير ذلك (إِنَّ رَبَّكَ ) يا محمّد (يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) من أمر دينهم .

94 - لَمّا نزل الوحي على النبيّ (ع) في بادئ الأمر ودعا قومه إلى الإسلام أبَوا أن يُسلِموا وأخذوا يسخرون منه وقالوا : "إنّ الذي جاءك بالوحي هو من الجنّ وليس من الملائكة ، ولو أراد الله أن يُرسِل رسولاً لأنزلَ ملائكةً " ، فرجع النبيّ وفي نفسه شكّ من ذلك وقد تصاغرَ في نفسه وقال : "لو كنتُ نبيّاً وما سمعته حقّاً لآمن بي هؤلاء وصدّقوني" . فنزلت عليه هذه الآية ليطمئنّ في نفسهِ ويثبت على دعوتهِ ولا يتردّد (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ) من الوحي (فَاسْأَلِ) اليهود (الّذينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ) وقل لهم هل كان موسى ملَكاً نزلَ من السماء أم هو بشرٌ مثلك؟ وهل كان الأنبياء الّذينَ جاؤوا من بعده ملائكة نزلوا من السماء أم بشراً ؟ فإن قالوا لك أنّهم بشرٌ مثلك فاعلم أنّك رسول فقم بواجبك وأنذر قومك واللهُ يهدي من يشاء وليس عليك هُداهم (لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ) وليس من الجنّ كما يزعمون (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) أي من الشاكّين ، يعني لا تشكّ في نفسك ولا تتصاغرْ عن الرسالة فإنّ الله يختار لها من يشاء من عباده وقد اختارك لها .

95 - (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الّذينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ ) فتقول ربّما كان ذلك من الجنّ وليس ملَكاً (فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) فتخسر النبوّة وقد اختارك الله لَها .

96 - (إِنَّ) المشركين (الّذينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ) بالعذاب (لاَ يُؤْمِنُونَ ) .

97 - (وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ) أي كلّ معجزة يطلبونها منك (حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ) أمّا في الدنيا بالقتل والأسر وأمّا في الآخرة في جهنّم . ولَمّا كثر عليه إنزال السوَر والآيات اطمأنّت نفسه وأيقنَ أنّه نبيّ ورسول إلى العرب فأخذ يدعو قومهُ إلى الإسلام بعزيمةٍ وينذرهم بقوّةِ قلبٍ ولا يلتفت إلى أقوالهم ولا يهتمّ بسخريتهم حتّى آمنَ كثيرٌ منهم فنزل قولهُ تعالى في سورة البقرة {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ ..الخ } .

98 - (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ) من هؤلاء الماضين (آمَنَتْ) قبل نزول العذاب لنفعها إيمانها كما آمنَ قوم يونس (فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ) ولكن لم يؤمنوا عند رؤية العذاب بل كانوا يقولون سَحابٌ مركوم وليس بعذاب ، (إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ) رأوا العذاب مُقبلاً عليهم (آمَنُواْ) حينئذٍ (كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) أي إلى انقضاء آجالهم .

99 - (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ ) يا محمّد (لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ) يعني كلّ من في الأرض جميعها ، فكلمة " كُلُّهُمْ " تعود للناس ، وكلمة " جَمِيعًا " تعود للأرض ، والمعنى : لآمنَ من في الكواكب السيّارة جميعها (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) .

100 - (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ ) بإرادتك (إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ) يعني إنّ الله يأذن لملائكتهِ أن يُشوّقوهُ إلى الإيمان ويُرغّبوهُ بالإيحاء إليهِ فيؤمن ويستسلم (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ ) أي المرض النفسي (عَلَى الّذينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) أي الّذينَ لا يستعملون عقولهم بل يتمسّكون بتقاليد آبائهم .

101 - لَمّا طلبت قريش المعجزة من النبيّ ليسلموا نزلت هذه الآية (قُلِ) لهم يا محمّد (انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) من آيات وفكّروا في صُنعها وإتقانِها وقولوا في أنفسكم مَن خلَقَها وأتقنَ صُنعَها فهل أصنامكم أم الله خلقها ؟ فذلك أحسن معجزة وأكبر دليل على قدرة الله ووحدانيّتهِ ، "فالسماوات والأرض" يريد بِها الكواكب السيّارة والأرض من جُملتها (وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ ) عنكم من شيء إذا جاء العذاب ، يعني إذا جاء العذاب حين تكذّبون بالمعجزة التي اقترحتم على رسولنا بِها لن تدفع العذاب عنكم ولم تؤمنوا أنتم حين رؤيتها إذاً فما الفائدة من اقتراحكم هذا؟ (وَالنُّذُرُ) أيضاً لا يقدرون على دفع العذاب عنكم ، يعني أنبياؤكم أيضاً لا يشفعون لكم إذا جاءكم العذاب ولا يقدرون على دفعه فيتركوكم ويذهبوا (عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ) بالله ولا برسوله .

102 - (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ ) أن نُهلكهم بالأعاصير كما أهلكنا قوم هود فدامَ العذاب عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيّام ، وذلك قوله تعالى (مِثْلَ أَيَّامِ الّذينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ ) يعني مثل أيّام الرياح العواصف الّتي دمّرت قوم هود (قُلْ فَانتَظِرُواْ ) العذاب والهلاك (إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ) هلاككم .

103 - (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالّذينَ آمَنُواْ ) معهم ، يعني إذا نزل العذاب بالأمّةِ المكذّبة ننجي الرُسُل والمؤمنين معهم ونهلك المكذّبين لهم (كَذَلِكَ) أمّتك يا محمّد (حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ) منهم إذا نزل العذاب بهم .

104 - قالت قُريش إنّ الموت بيد الملائكة فمن لم يعبد الملائكة تُميتهُ ، فنزلت هذه الآية ردّاً عليهم (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ) وترفضون قولي في نبذ الأصنام وترك عبادة الملائكة وتقولون إنّها تنتقم منّا إن تركنا عبادتها فتميتنا ، فلنعمل تجربة تزيل الشكّ عنكم وهيَ (فَلاَ أَعْبُدُ ) الملائكة (الّذينَ تَعْبُدُونَ ) أنتم (مِن دُونِ اللّهِ ) فإن كانت لا توافق بذلك فلتنتقم منّي وتُميتني بوقتٍ مُعيّن تجعلونهُ أنتم وأجل محدود فإن لم أمُت في ذلك الوقت المحدود تعلمون حينئذٍ أنّها توافق على ترك عبادتها ولا ترضى بعبادة من يعبدها بل تبرأ منهُ ، وبهذه التجربة يجب أن يزول الشكّ عنكم وتؤمنوا بما أقول لكم (وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) يعني إنّ الملائكة الّتي تقبض الأرواح ليس ذلك باختيارها بل بأمرٍ من الله (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) بأنّ الموت والحياة بيد الله لا بيد الملائكة .

------------------------------------

74 :تصفها التوراة بأنّها أرض تدرّ اللبن والعسل . - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم