كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة لقمان من الآية( 12) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

12 - (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) جزاءً لتقواه وبرّه ، أي أعطيناه العلم والموعظة. وهومن بني اسرائيل من سبط نفتالي مسكنه فلسطين في الجليل في زمن رحبعام بن سليمان واسمه طوبيّا ، وإنما سمّاه الله تعالى لقمان لأنّه كان يطعم الفقراء والمساكين فيضع اللقمة في أفواههم من طيبة نفسه وحسن أخلاقه ، وزوجته إسمها حنّة فولدت له إبناً سمّاه باسمه أيضاَ ، وكان رجلا تقياً بارّاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر قومه بطاعة الله. وقصته مذكورة في مجموعة التوراة في سفر طوبيّا باسمه بالتفصيل . وقولهُ تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) يعني أوحينا إليه أن اشكر لله على هدايته لك وإعطائك الحكمة والولد الصالح (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) يعني ثواب شكره يعود عليه ويزداد نعمة من الله . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} يعني أزيدكم نعمة على نعمة .

(وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ) عن شكر الشاكرين (حَمِيدٌ ) أي مستحقٌّ للحمد على نعمائه .

16 - (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا) أي الحسنة ، إشارة الى قوله تعالى في أوّل السورة {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} ، (إِن تَكُ) في الصغر (مِثْقَالَ حَبَّةٍ) أي ثقل حبة (مِّنْ خَرْدَلٍ85 فَتَكُن ) الحسنة (فِي صَخْرَةٍ) ترفعها عن طريق المارّة (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ) تنظر إلى النجوم ليلاً فتعرف الطريق وتهدي به المسافرين الضالّين عن الطريق ، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة النحل {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} ، أو ترشد سائلاً اذا سألك عن وقت السحور فتنظر إلى السماء فتعرف الوقت وتخبره بالوقت لكي يتسحّر أو ليصلّي صلاة الفجر ،

(أَوْ فِي الْأَرْضِ) تهدي الضالّين عن الطريق أو تطعم أحداً من الجائعين أو تكسو أحداً من العرايا أو غير ذلك من الحسنات (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) مكتوبة في صحائف أعمالك ويجازيك عليها (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) بالمحسنين (خَبِيرٌ) بالمنفقين على اليتامى والمساكين . وقد سبق تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء في آية 47.

17 - (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ) الذي وعظتك به ( ذَ‌ٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي هذه الصفات الحميدة من صفات الأنبياء أولي العزم ومن صفات الملائكة وعزمهم عليها وبهذه الصفات والأعمال وصلوا إلى هذه المنزلة عند الله .

18 - (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي لاتُمِلْ برقبتك تذلّلاً للناس لتسأل شيئاً ليعطوك بل سلْ حاجتك من الله . وهذا مثل يُضرَب في الذلّ ، ومن ذلك قول الشاعر:

                                 عِشْ عزيزاً أو مُتْ حميداً بخيرٍ     لا تضعْ للسؤالِ والذلِّ خدّا
                                    كمْ كريمٍ أضاعَهُ الدهرُ حتّى      أكلَ الفقرُ منهُ لحماً وجِلدا
                                       كلّما زادَهُ الزمانُ اتّضاعاً      زادَ في نفسِهِ عُلوّاً ومَجدا

فالأصعر هو الذي يميل برقبته اما تذللاً وإما لمرضٍ اصابه، والشاهد على ذلك قول حسان بن ثابت الأنصاري :

                                  تَصُدُّ إذا ما وَاجهتْني خُدودُهُم      لدَى محفلٍ عنّي كأنّهمُ صُعْرُ

مفرد الصُعر أصعر ، وهو الذي يميل برقبته على الدوام لمرض أصابه . يقول الشاعر: إذا واجهوني في محفلٍ أمالوا برؤوسهم عني لشّدة بغضهم وحقدهم عليّ كأنهم صُعرٌ، يعني كأنّ في رقابهم مرض يجعلها مائلة. وقال حسّان أيضاً :

                                      وَإنّي لَسَهلٌ لِلصَدِيقِ وإنّني      لأعدِلُ رأسَ الأصعَرِ المتمائِلِ

وفي هذا البيت ضرب الشاعر مثلاً بمن يميل برأسه عن الحق ولايرضى به. قال اللهُ تعالى في سورة المنافقون {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ} أي أمالوا رؤوسهم عنك. وقال الفرزدق يمدح عمرو الأسيدي :

                                   وبكرٌ وعبدُ القيسِ وابنةُ وائلٍ      أقرّتْ لهُ بِالفضلِ صُعراً خدودُها

وقوله تعالى ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) أي فرحاً فخوراً مشية المتكبر. والمعنى لا تتذلل في السؤال اذا سألت ولا تفتخر في العطاء اذا أعطيت (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ) أي خدّاع والشاهد على ذلك قول امرئ القيس :

                                   ألا يحبسُ الشيخُ الغيورُ بناتهُ       مخافةَ جنبيّ الشمائلِ مختالِ

(فَخُورٍ) أي يفتخر على الناس بما أعطى من المال .

19 - (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) يعني وأصلِح بين الناس في مشيك ، فالقصد معناه الإصلاح والإرشاد ، وقد سبق شرح كلمة القصد في سورة النحل عند قوله تعالى {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} .

(وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) عند التكلّم ، أي لاترفع صوتك عالياً (إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) .

وإليك بعض وصايا لُقمان لابنهِ من مجموعة التوراة من سِفر طوبيّا في الإصحاح الرابع قال [فليكن الله في قلبك جميع أيّام حياتك ، واحذر أَنْ تَرْضَى بِالْخَطِيئَةِ وَتَتَعَدَّى وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِنَا ، تَصَدَّقَ مِنْ مَالِكَ وَلاَ تُحَوِّلْ وَجْهَكَ عَنْ فَقِيرٍ ، وَحِينَئِذٍ لاَ يُحَوَّلُ وَجْهُ الرَّبِّ عَنْكَ ، كُنْ رَحِيماً عَلَى قَدْرِ طَاقَتِكَ ، إِنْ كَانَ لَكَ كَثِيرٌ ، فَابْذُلْ كَثِيراً ؛ وَإِنْ كَانَ لَكَ قَلِيلٌ ، فَاجْتَهِدْ أَنْ تَبْذُلَ الْقَلِيلَ عَنْ نَفْسٍ طَيِّبَةٍ ، فَإِنَّكَ تَدَّخِرُ لَكَ ثَوَاباً جَمِيلاً إِلَى يَوْمِ الضَّرُورَةِ ، لأَنَّ الصَّدَقَةَ تُنَجِّي مِنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَمِنَ الْمَوْتِ وَلاَ تَدَعُ النَّفْسَ تَصِيرُ إِلَى الظُّلْمَةِ ، إِنَّ الصَّدَقَةَ هِيَ رَجَاءٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ الْعَلِيِّ لِجَمِيعِ صَانِعِيهَا ، اِحْذَرْ لِنَفْسِكَ يَا بُنَيَّ مِنْ كُلِّ زِنًى وَلاَ تَتَجَاوَزِ امْرَأَتَكَ مُسْتَبِيحاً مَعْرِفَةَ الإِثْمِ أَبَداً ، وَلاَ تَدَعِ الْكِبْرَ "يعني التكبّر" يَسْتَوْلِي عَلَى أَفْكَارِكَ أَوْ أَقْوَالِكَ لأَنَّ الْكِبْرَ مَبْدَأُ كُلِّ هَلاَكٍ ، وَكُلُّ مَنْ خَدَمَكَ بِشَيْءٍ فَأَوْفِهِ أُجْرَتَهُ لِسَاعَتِهِ ، وَأُجْرَةُ أَجِيرِكَ لاَ تُبْقِ عِنْدَكَ أَبَداً ، كُلُّ مَا تَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ غَيْرُكَ بِكَ فَإِيَّاكَ أَنْ تَفْعَلَهُ أَنْتَ بِغَيْرِكَ ، كُلْ خُبْزَكَ مَعَ الْجِيَاعِ وَالْمَسَاكِينِ وَاكْسُ الْعُرَاةَ مِنْ ثِيَابِكَ ، ضَعْ خُبْزَكَ وَشرابَكَ عَلَى مَدْفِنِ الْبَارِّ ، وَلاَ تَأْكُلْ وَلاَ تَشْرَبْ مِنْهُمَا مَعَ الْخَطَأَةِ ، اِلْتَمِسْ مَشُورَةَ الْحَكِيمِ دَائِماً ، وَبَارِكِ اللهَ فِي كُلِّ حِينٍ وَاسْتَرْشِدْهُ لِتَقْوِيمِ سُبُلِكَ وَإِقْرَارِ كُلِّ مَشُورَاتِكِ فِيهِ ] .  

فانظر أيّها القارئ الكريم هل نقل محمّد هذه العِبارات من التوراة كما زعمَ بعض المشركين وهو رجُل اُمّي لا يقرأ ولا يكتب ، ثمّ إنّه رجُل عربي لا يعرف اللّغة العِبريّة ولا كتابتها ، ولم تُترجَم التوراة إلى العربيّة إلاّ في عصرنا هذا ، فلو أنّه نقل من التوراة كما زعمَ بعض المشركين والملحدين لجاءَ بالنقل حرفيّاً ولم يكن فيهِ تغيير ، وأهمّ من ذلك الأسماء فلو كان نقلاً لجاءَ بالأسماء كما هيَ ولم يأتِ بالكنايات الّتي لم تُصرّح بها حتّى التوراة نفسها فلم يكن أحدٌ يعلم من قبل أن طوبيّا يُكنّى لُقمان لأنّه كان يُطعم الفقراء ويُخرج اللّقمةَ من فمهِ فيضعها في فم الفقير ، وهذا مثَل يُضرب عند العرب بالسخاء والكرَم فيقولون "فُلان أخرج اللّقمة من فمهِ وأعطاها لفلان" ، يعني ترك نفسه جائعاً وأشبع غيرهُ ، ولم يكن أحد يعلم أنّ شاؤول يُكنّى طالوت لأنّه رجل طويل القامة ، ولا أحد يعلم أنّ النبيّ إيليّا يُكنّى إدريس لأنّه درّسَ التوراة ، أليس هذا إخباراً من الله أخبر به رسوله لتكون مُعجزةً عِلميّة تدلّ على صدقهِ؟ قال الله تعالى في سورة طـ ه {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى}.

-----------------------------------

85 :الخردل حبٌ صغير جداً أسود اللون مقرًح ، وأوراقه كبيرة تشبه أوراق الفجل وتحتوي أوراقه على فيتامين (سي) تستعمل الأوراق في الملح كمخلّل وتؤكل ، طعمها حاد مثل الرشّاد ، وهو نوعان الخردل الأبيض والخردل الأسود .

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم