كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الفرقان من الآية( 37) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

37 - (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ ) وإنّما جمعَ كلمة "رُسُل" وهو واحد ، أراد بذلك نوحاً والملائكة الّتي نزلت عليهِ بالوحي وبالإرشادات لصناعة السفينة (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ) أي عِبرةً وعِظةً (وَأَعْتَدْنَا) أي هيّأنا (لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ) غير ما حلّ بهم في الدنيا .

38 - (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) أهلكناهم جميعاً بتكذيبهم للرُسُل ، و"الرسّ " هو السيل ، وأصحاب الرسّ هم الّذينَ دمّرهم السيل وأهلكهم. والشاهد على ذلك قول زُهير :

                             لِمَنْ طَلَلٌ كَالوَحْيِ عافٍ مَنازِلُهْ      عَفا الرَّسُ مِنْها فالرَّسِيسُ فَعاقِلُهْ

العف محو الآثار من الديار ، وقوله " عَفا الرَّسُ مِنْها" أي محَى آثارها السيل ، والرسيس هو المرض ، وقوله " فعاقِلُهْ " يعني فعاقَ المرض لهُ ، أي عاقهم المرض عن الرحيل حتّى جاءهم السيل فأغرقهم . وقال ذو الرمّة :

                                 خَناطيلُ يَسْتَقرِبْنَ كلَّ قَرارَةٍ      ومَرْتٍ نَفَتْ عنها الغُثاءَ الرّوائِسُ

الغثاء هو القشّ ، وقوله " نَفَتْ عنها الغُثاءَ الرّوائِسُ " يعني أزالت القشّ مياه السيول الّتي جاءت من الروائس أي من رؤوس الجبال . وقال كعب بن زُهير يصفُ حمار وحش :

                             أتى دُونَ ماءِ الرَّسِّ بادٍ وحاضِرٌ      وفيها الجِمامُ الطامِيَاتُ الخَضارِمُ

والمقصود في الآية هم أهل سبأ أتاهم سيل العرِم فهدّم السدّ وأغرقهم وأتلفَ مزارعهم وبساتينهم ، وقوله (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ) أي وأهلكنا أيضاً كثيراً من الناس بين عاد وأصحاب الرسّ بسبب ظلمهم وكفرهم .

39 - (وَكُلًّا) منهم (ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ) بِمَن مضَى قبلهم وأنذرناهم ونصحناهم فلم يؤمنوا بل ازدادوا طغياناً وكفراً (وَكُلًّا) من المعاندين (تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) أي دمّرناهم تدميرا . والشاهد على ذلك قول حسّان :

                                       حَتَّى تُبارَ قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ      قَوَداً وَتُخْرَبَ بِالدِّيارِ دِيارُ

40 - (وَلَقَدْ أَتَوْا ) أهل مكّة (عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ) وهي قُرى لوط الأربع (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ) أهل مكّة في أسفارهم حين مرّوا بها فيخافوا ويعتبروا (بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) يعني بل رأوها وإنّما لم يعتبروا لأنّهم لا يعتقدون بالبعث ولا بالعالَم الثاني عالَم النفوس لكي يخافوا من العقاب ويأملوا الثواب .

41 - (وَإِذَا رَأَوْكَ ) يا محمّد سائراً في الطريق (إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ) أي مُستهزئين بك قائلين (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا )!؟

42 - (إِن كَادَ ) معناها لقد كادَ (لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا ) يعني عن عبادتها (لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ) ولم نسمع لقولهِ . فردّ الله عليهم قولهم فقال تعالى (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ) بعد موتهم وانتقالهم إلى عالَم النفوس (مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) محمّد أم هم الضالّون .

43 - (أَرَأَيْتَ) يا محمّد (مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) أي من عبدَ ما يهوى من ذهب أو فضّة أو حجر أو غير ذلك (أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) يعني تكون حارساً عليهِ تُنقذهُ من عذاب الله في الآخرة . فالوكيل معناهُ المحافِظ على الشيء .

44 - (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ ) أي يُصغون لقولك (أَوْ يَعْقِلُونَ ) يعني أو يستعملون عقولهم فيما تدعوهم إليهِ ، كلاّ فهم مُقلّدون (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ) الضالّة عن طريق المرعَى (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) .

45 - (أَلَمْ تَرَ إِلَى ) أعمال (رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) بسبب دوران الأرض حول محورها ، والمدّ من الإمداد أي كيف جعل الظِلّ في الأرض مُتّصلاً ينتقل من جهةٍ إلى اُخرى لا ينقطع ، وظلّ الأرض هو اللّيل (وَلَوْ شَاءَ ) ربّكَ (لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ) بأن يوقف الأرض عن دورتها المحوريّة فيبقَى الظلّ ثابتاً في جهةٍ واحدة فحينئذٍ يهلك من شدّةِ الحرّ من هو في جهةِ النهار ، ويهلك من شِدّةِ البرد من هو في جهة اللّيل (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ) يعني جعلنا اُفول الشمس دليلاً على قدوم اللّيل .

46 - (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا ) أي قبضنا الظِلّ بشروق الشمس على تلك الجِهة فزال الظلّ منها (قَبْضًا يَسِيرًا ) أي سهلاً بلا مشقّة ولا تكليف .

47 - (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللّيل لِبَاسًا ) أي سِتراً (وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ) أي راحةً (وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ) تنتشرون فيهِ على الأرض لطلب رزقكم وقضاء حوائجكم .

48 - (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا ) أي مُبشّرات بالمطر (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) أي قبل نزول المطر بقليل ، والمطر هو رحمة للناس (وَأَنزَلْنَا) بالرياح (مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا ) أي طاهراً ومُطهّراً .

49 - (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ) أصلها ميتةً فحُذِفت إحدى التائين لتسهيل الكلام ، وحياة الأرض كناية عن خصبها ، وموتها كناية عن جدبها (وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ) أي واُناساً كثيرين ، فاُناسيّ جمع اُناس ، ومن ذلك قول كعب بن زُهير :

                                         حديثُ أُناسِيٍّ فلمّا سَمِعتُهُ      إذا ليسَ فيهِ ما أبِينُ فأَعْقِلُ

50 - (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ) أي صرّفنا الماء في الأرض وقسّمناهُ بينهم على قِسمَين فبعضهُ يجري على وجه الأرض فتكون منه الأنهار والبحار فيشربوا منها ويتطهّروا ويسقوا أنعامهم وزرعهم ، والقِسم الثاني يتصرّف في باطن الأرض وفي الجبال فتكون منه الينابيع والآبار فيشربوا منها ويسقوا أنعامهم وزرعهم ، كلّ هذه النِعم جعلناها لهم (لِيَذَّكَّرُوا) أي ليتّعِظوا ويذكروا الله مُنعِمَها فيشكروهُ (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) لهذهِ النِعم.

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم