كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الطور من الآية( 18) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

18 - (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ) أي مُتحدِّثِين ومُستأنِسِين بما أعطاهم ربّهم من أنواع النِعم . "التفكّه" هو تكرار الكلام في شيء حصلَ عليهِ لشدّةِ فرحهِ بهِ ، أو في ذهاب شيء منهُ لشدّةِ حُزنهِ عليهِ ، والدليل على ذلك قولهُ تعالى في سورة الواقعة {فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } يعني فبقيتم تكرّرون القول فتقولون إنّا لمغرَمون ، أي لخاسرون خسرنا زرعنا وأتعابنا (وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) أي صرفهُ عنهم .

19 - (كُلُوا) من أثمار الجنّة (وَاشْرَبُوا) من أنهارها (هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) في دار الدنيا من أعمال صالحة .

20 - (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) أي بفتيات بِيض الأجسام واسعات العيون ، وقد سبق تفسيرها في سورة الدخان .

21 - (وَالّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي ألحَقنا الأولاد بالآباء فجمعناهم في الجنّة ليأنسوا بهم وتقرّعيونهم بحضورهم واجتماعهم ، ويريد بالذرّية الأولاد الصغار الّذينَ تحت البُلوغ ، يعني إن كانوا مؤمنين باللهِ ورسولهِ وإن لم يعملوا أعمالاً يستحقّون عليها الجنّة فإنّ الله تعالى يلحقهم بآبائهم تفضّلاً منهُ على الآباء (وَمَا أَلَتْنَاهُم ) أي وما أنقصناهم ، ومن ذلك قول امرئ القيس يصف جوادهُ حين يُسرع في عدوهِ:

                    يَلُتُّ الحَصَى لَتّاً بِسُمْرٍ رَزِينَةٍ      مَوارِنَ لا كُزْمٍ ولا مَعِرَاتِ

يعني يتطاير الحصَى من تحت حوافرهِ فينقص مكانها . وقال الحُطيئة:

                      أَبْلِغْ سَراةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً      جَهْدَ الرِّسالةِ لا إلْتاً ولا كَذِبَا

(مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ) يعني وما أنقصنا من ثواب الآباء شيئاً بسبب إلحاق أولادهم بهم بل ذلك تفضّلاً منّا عليهم ، ثمّ ذكر الكبار من الأولاد المذنبين منهم فقال تعالى (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) يعني في عالَم البرزخ رهين بآثامهِ مُعذّب بجرائمهِ وسيّئاتهِ .

22 - (وَأَمْدَدْنَاهُم) زيادةً (بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ) يعني لأصحاب الجنّة .

23 - (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا ) أي يتعاطَون كأس الخمر ، ثمّ وصفَ الخمرة فقال (لَّا لَغْوٌ فِيهَا ) أي في شربها (وَلَا تَأْثِيمٌ ) يعني ولا تُسبّب لهم مُشاجرة ولا تعدّي بعضهم على بعض فيأثمون كما هيَ الحالة في شاربي الخمر في الدنيا .

24 - (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) للخدمةِ (غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ) في صفائهِ وهم أولاد الكافرين الّذينَ يموتون صغاراً قبل البلوغ يكونون خدَماً لأهل الجنّة .

25 - (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ) عمّا جرى لهم في الدنيا وعن الأعمال الّتي توصّلوا بها إلى الجنّة .

26 - (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ) أي خائفين أن نُحرَم من دخول الجنّة بسبب خطايانا .

27 - (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ) بالمغفرة (وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) .

28 - (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ) فاستجابَ لنا (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ ) أي المنعِم على العباد (الرَّحِيمُ) بالمؤمنين .

29 - ثمّ خاطب رسوله الكريم فقال تعالى (فَذَكِّرْ) قومك بالقرآن ، أي عِظهم به . ومثلها في سورة ق { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ }.

(فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ) أي بإنعامه عليك بالرسالة (بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) كما يزعمون .

30 - (أَمْ يَقُولُونَ) هو (شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) أي ننتظر أن يموت أو يُقتَل فنستريح منه. فالمنون جمع منيّة ، وريبها الحوادث التي تريب الإنسان عند مجيئها ، ومن ذلك قول الشاعر يصف امرأة متزوّجة:

                      تَـرَبَّصْ بِهـا رَيْـبَ المَنُـونِ لَعَلَّهَـا      سَــيَهْلِكُ عَنْهــا بَعْلُهـا أو سيجنحُ

يعني لعلّه يموت زوجها أو يطلقها فتتزوّجها أنت .

31 - (قُلْ تَرَبَّصُوا) أي انتظروا موتي (فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) أي من المنتظرين النصر من الله عليكم وستعلمون أيّنا يغلب خصمه وينتصر عليه .

32 - (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم) أي أفكارهم (بِهَـٰذَا) التربّص والانتظار (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) يعني طغيانهم يأمرهم بهذا التربّص للفتك برسولنا .

33 - (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ) أي قاله من نفسه وليس القرآن من الله كما يدّعي . (بَل لَّا يُؤْمِنُونَ) . فقال الله تعالى:

34 - (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ) أي مثل القرآن في نظمه وفصاحته وحُسن بيانه وإخباره عن المغيّبات (إِن كَانُوا صَادِقِينَ) في قولهم "تقولّه محمد" . ثمّ احتجّ على الملحدين فقال تعالى:

35 - (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) ؟ قلتُ فيما سبق إن كلمة "شيء" معناها المادّة ، فيكون المعنى: هل تكونّت نفوس هؤلاء الملحدين بغير أجسام مادية فيقولون إنّ الأثير يملأ الفضاء من الأزل وإنّ نفوسنا تكوّنت من الأثير104 لا مكوّن لها؟ نعم تكوّنت من الأثير ولكن من خلق الأجسام التي تكوّنت فيها نفوسهم أليس الله خلقها وخلق السماوات والأرض ومن فيهنّ (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) لتلك الأجسام؟

36 - (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) يعني أم هؤلاء الملحدون خلقوا المادة التي خلقتُ منها السمّاوات والأرض فلذلك يجحدون مَنْ خلقهم ؟ كلا فإن الله خلق المادة وخلق السماوات والأرض ومن فيهنّ (بَل لَّا يُوقِنُونَ) بذلك لجهلهم وعنادهم .

37 - (أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ) فيهبون النبوّة لمن أرادوا ومن أحبّوا فيقولون لو أُنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) على الكون فيعملون ما شاؤوا ، كلا لا هذا ولا ذاك .

38 - ثمّ قال الله تعالى (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ) أي مصعد يصعدون فيه إلى السماء (يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) الوحي من السماء وبذلك علموا أنّ القرآن مختلَق فكذّبوه (فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) أي بحجة ظاهرة وأدلة واضحة المدّعي بذلك .

------------------------------------

104 : بعض الملحدين يعتقدون بوجود الأرواح ولكن يقولون أنّها موجودة من الأزل لا مكوّن لها ، ومحدودة لا تنقص ولا تتكاثر . ومن جملتهم مؤلّف كتاب "على حافّة العالم الأثيري" . ويقولون أنّها تدخل في بيت الأرحام فتبني عليها جسماً فيكون إنساناً ثمّ تنفصل بالموت عن هذا الجسم وتكوّن جسماً آخر ، وهكذا تنتقل من جسمٍ إلى جسمٍ آخر . قال الله تعالى عنهم في سورة الجاثية {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ، وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم