كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النجم من الآية( 16) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

16 - (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ) أي يحيط بها من الأنوار (مَا يَغْشَىٰ) الأبصار بنورها .

17 - (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ) أي ما مال بصره عن مرئيه المقصود له وما جاوزه. والمعنى كان محمد ينظر أمامه فقط لا يلتفت يميناً ولا شمالاً ، وكان ذلك تأدّباً منه وتعظيماً لربه . فقوله (مَا زَاغَ الْبَصَرُ) ، دليل على أن المعراج كان روحانيّاً ، لأنّ "البصر" من حواس النفوس . وقد شرحتُ هذا في كتابي الإنسان بعد الموت والعين من حواس الجسم .

18 - (لَقَدْ رَأَىٰ) محمد في السماوات (مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ) أي العظمى ، والمعنى رأى عرش ربّه ، لأن العرش أعظم آية فوق السماوات . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة المؤمنون {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .

19 - (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ) أصلها أرأيتم والفاء للتفكير .

20 - (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ) ثلاثة أصنام كانوا يعبدونها وكانوا يُلبسونها أدوات الزينة كالقلائد والشُنُوف وغير ذلك والشاهد على ذلك قول حسّان بن ثابت :

ونَنْسَى اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَوَدَّا ..... وَنَسْلُبُهَا الْقَلَائِدَ وَالشُّنُوفَا
فكانت العُزى في وادٍ يُسمى "بطن نخلة" فأرسل النبي (ع) خالد بن الوليد فهدّمها ، وأرسل عمرو بن العاص فهدم سواع ، وأرسل سعد بن زيد فهدم مناة ، وذلك يوم فتح مكة . والمعنى فكّروا في هذه الأحجار التي تعبدونها ثم ابدوا لي رأيكم فيها هل تضرّ أم تنفع ؟ وهل من عاقل يعبد حجراً منحوتاً ؟

21 - (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ) أي كيف تختارون لأنفسكم الذكور من الأولاد وتنسبون لله الإناث فتقولون الملائكة بنات الله .

22 - (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ) أي قسمة جائرة . ومن ذلك قول امرئ القيس :

ضازتْ بنو أسدٍ بحكمِهمُ ..... إذْ يعدِلونَ الرأسَ بالذَنَبِ

23 - (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا) لهذه الأحجار (أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا) أي بعبادتها (مِن سُلْطَانٍ) في كتاب سماوي . يعني : لم ينزّل دليلاً أو حكماً يشير إلى عبادتها أو أنها تشفع لكم عند الله ؛ (إِن يَتَّبِعُونَ) في ذلك (إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ) أي وما تميل إليه نفوسهم (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ) في القرآن فرفضوه .

24 - (أَمْ لِلْإِنسَانِ) للكافر (مَا تَمَنَّىٰ) من شفاعة الملائكة وغيرها من الأولياء . كلّا ليس لهم ما تمنّوا .

25 - (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ) فيهدي إلى دينه المترحّمين على المساكين ويغفر للموحدين ويُدخل في جناته المتقين .

26 - (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ) الروحانية (لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ) أن يتشفّعوا به (وَيَرْضَىٰ) عن المشفوع .

27 - (إِنَّ) المشركين (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ) حين زعموا أنّها بنات الله .

28 - (وَمَا لَهُم بِهِ) أي بهذا القول (مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أي من الحقيقة شيئاً .

29 - ثمّ خاطب رسوله الكريم فقال تعالى (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا) أي عن وعظنا ، يعني عن القرآن (وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أما الآخرة فقد أنكرها .

30 - (ذَ‌ٰلِكَ) الإيراد للدنيا دون الآخرة (مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ) أي ما توصلوا إليه من العلم بها أما الآخرة فهم غافلون عنها . ومثلها في سورة الروم قوله تعالى {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ) فيجازيهما بما يستحقان فما عليك إلا البلاغ .

31 - ثمّ وجّه الخطاب للمسلمين فقال الله تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) الغازية من رزقٍ كثير (وَمَا فِي الْأَرْضِ) من مالٍ وفير (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا) مع الفقراء والضعفاء (بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا) إلى الفقراء والمحتاجين (بِالْحُسْنَى) فيعطيهم في الدنيا من خيراتها وفي الآخرة جناتها .

32 - ثمّ بيّن سبحانه بأنّ دخول هؤلاء المحسنين الجنان لا يتم إلّا بشروط فقال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ) أي كبائر الذنوب (وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وهذا استثناء ، وهو المصابون ببعض الجنون والجاهلون بأمور الدين وبالعواقب فهؤلاء إن تابوا عن كبيرة يتوب الله عليهم. والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة النساء {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ} . فاللّمم هو طرف من الجنون ، يقال "أصابت زيدٌ من الجنّ لُمَّةٌ" بضم اللام ، وهو المسّ والشيء القليل. ومن ذلك قول الأعشى:

                  وتُصبحُ من غَبّ السُّرى وكأنما      أُلِمّ بها من طائف الجنِّ أولقُ

وكذلك اللَّمة بفتح اللام هي الإصابة للشيء ، ومن ذلك قول الفرزدق:

                        لا مُكبرٌ فرحاً فيما يُسرُّ بهِ      فإنْ ألَمّت عليه أزمةٌ صَبَرا

أما اللِّمة بكسر اللام فهي خصلة من الشعر تكون على جهة الأذنين كالجدائل. ومن ذلك قول الأعشى:

                             فأن تعهديني ولي لِمّةٌ      فإنّ الحوادثَ ألوى بها

أي غيرتها حوادث الدهر.

(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) يغفر للتائبين عن قريب من ارتكاب الذنب ولا يستمرّون على ارتكاب الذنوب (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) أي أعلم بذنوبكم إن كانت من الكبائر أو من الصغائر (إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ) يعني من الأغذية التي تكوّنت من الأرض فصارت في أصلاب آبائكم نطفاً ثم تحولت إلى أرحام أمهاتكم فكنتم أجنة فيها (وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ) جمع جنين (فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) بالقول ، يعني لا يقل إنّي لم أذنب طول حياتي ، وإن ظنّ بنفسه ذلك ، ولكن: إنّي مذنب وأستغفر الله من كل ذنبٍ وأتوب إليه (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) المعاصي فيدخله جناته.

------------------------------------
الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم