كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الحشر من الآية( 9) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

9 - ثمّ ذكر الأنصار فقال تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ) يعني هيئوا الدار للنبي في المدينة (وَالْإِيمَانَ) به (مِن قَبْلِهِمْ) أي من قبل مجيء المهاجرين إلى المدينة (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) من المؤمنين ، لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين وأسكنوهم في ديارهم وأشركوهم في أموالهم (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) أي لا يجدون في قلوبهم حسداً وحزازة مما أعطى المهاجرين دونهم من مال بني النضير (وَيُؤْثِرُونَ) المهاجرين (عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) أي فقر وحاجة إلى المال. ومن ذلك قول نمر بن تولب:

                         وإذا تُصبْكَ خَصاصةٌ فارجُ الغِنَى      وإلى الذي يُعطي الرغائبَ فارغبِ

(وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) أي ومن يتوقّى الشرّ المقدّر عليه فيدفعه عن نفسه بالشحيح الذي عنده ، يعني بالطعام القليل الذي عنده فيقدّمه لضيفه (فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) في الآخرة .
وقد روي في البخاري عن أبي هريرة أنه جاء رجل إلى النبي وقد أصابه الجهد فأرسل النبي إلى نسائه فلم يجد شيئاً من الطعام ، فقال: "ألا رجل يضيّف هذا ؟" فقام رجلٌ من الأنصار فقال: "أنا يا رسول الله" ، فذهب به فقالت امرأته ما أجد إلا قوت الصِبية ، فقال نوّمي الصِبية وقدّمي الطعام ثم قومي كأنّك تُصلحين السراج فاطفئيه ليأكل وحده فإنه ضيف رسول الله ، ففعلت ، فلما أصبح الصباح جاء إلى رسول الله فقال (ع): لقد عجب الله منك فقد نزلت فيك: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

10 - (وَالَّذِينَ جَاءُوا) إلى الإسلام (مِن بَعْدِهِمْ) فأسلموا ، يعني من بعد المهاجرين والأنصار (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا) أي حقداً (لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) .

11 - (أَلَمْ تَرَ) يا محمد (إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا) وهم عبد الله بن أبيّ رئيس المنافقين في مدينة يثرب وأصحابه (يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ) في النفاق والكفر (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني يهود بني النضير، وكان هذا القول منهم قبل خروج بني النضير من ديارهم (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) نساعدكم على السفر (وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ) أي في ترك مساعدتكم (أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ) والمعنى لئن قاتلكم محمد وأصحابه لننصرنّكم بنقل السلاح والطعام إليكم (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) يعني المنافقون كاذبون في قولهم هذا .

12 - (لَئِنْ أُخْرِجُوا) من ديارهم (لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ) بدفاع أو قتال (وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ) ببعض السلاح لا يغني اليهود سلاحهم شيئاً لأنّهم غير محتاجين إلى السلاح . وقوله (لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ) يعني اليهود إن قاتلوا يولّوا الأدبار (ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ) إن قاتلوا وحدهم أو كان المنافقون معهم ففي الحالتين هم مغلوبون بإرادة الله .

13 - ثمّ أخبر سبحانه عن شدّة الرعب الذي ألقاه في قلوب اليهود فقال (لَأَنتُمْ) أيّها المسلمون (أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ) أي يرهبونكم ويخافونكم أكثر مما يخافون الله (ذَ‌ٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) .

14 - (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا) يعني لا يقاتلونكم اليهود مجتمعين في ميدان واحد أنتم وهؤلاء (إِلَّا) أن يكون قتالهم (فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ) بالأسوار والأبنية المرتفعة (أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ) جمع جدار فيرمونكم بالسِّهام (بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)107 أي قتالهم فيما بينهم شديد . ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء في قصة داوود { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ } . أي تحصِنكم من القتل وقت الحرب .

(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا) أي مجتمعين في توحيد آرائهم (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ) أي مختلفة متفرّقة في الآراء (ذَ‌ٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) وهم مع ذلك معاندون ، فمثلهم في العناد:

15 - (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) من مشركي العرب ، وهم الذين قُتِلوا يوم بدر (قَرِيبًا) منهم في الزمان ، فكانت وقعة بدر قبل إجلاء بني النضير بزمن يسير ، إذ كانت بعد بدر وقعة أُحد وبعدها إجلاء بني النضير (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) أي ذاقوا عذاب القتل وعار الهزيمة والأسر بسبب جهلهم وعنادهم إذ لم يؤمنوا مع من آمن ولم يستسلموا مع من أسلم . وقد سبق شرح كلمة "وبال أمرهم" في سورة المائدة آية 98 (وَلَهُمْ) في الآخرة (عَذَابٌ أَلِيمٌ) أيّ مؤلم .

16 - ثمّ ضرب الله تعالى مثلاً بهؤلاء المنافقين الذين عاهدوا اليهود بالمساعدة والنصرة وأخلفوا عهودهم فقال (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ) أي مثلهم مثل شيطان الأنس الذي أغرى بلعام بن باعور العابد ، والشيطان هو بالاق بن صفّور ملك مؤاب (إِذْ قَالَ) بالاق (لِلْإِنسَانِ) بلعام العابد (اكْفُرْ) بنعمة ربّك وأدعُ على بني إسرائيل بالهلاك . والمعنى : دعاه إلى عمل فيه عصيان أمر الله فلمّا امتثل أمرَ الملِك وعصَى أمر الله أصبح كافراً ، (فَلَمَّا كَفَرَ) بلعام وجاءت بنو إسرائيل وحاربوهم واستولَوا عليهم جاء بلعام إلى الملك يستجير به لينقذه من بني إسرائيل ويخلّصه من القتل (قَالَ) الملك بالاق (إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ) لأنّك لم تكفِني شرّ بني إسرائيل ولم ترشدني إلى الصلاح وإلى الاستسلام لهم والصلح معهم لكي ننجو من القتل في الدنيا ومن العذاب في الآخرة لو كنت أرشدتني إلى التوحيد وإلى عبادة الله وحده (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) أن يعذّبني على ما فعلتُ . ثم استولى عليهما بنو إسرائيل فقتلوهما .

------------------------------------

107 :إقرأ قِصّتهم في سِفر قُضاة في الإصحاح العشرين من مجموعة التوراة ، حينئذِ تعلم كيف كان بأسهم بينهم شديد . وتجد ذلك في كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن تحت عنوان   ثُمّ قَسَتْ قلوبُكم مِنْ بعدِ ذلكَ فَهيَ كالحجارةِ أوْ أشدُّ قسوةً

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم