كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الحاقة من الآية( 31) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

31 - (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) أي كبّوه على رأسه ، وهذا عذاب البرزخ قبل عذاب القيامة ، والجحيم هو البركان ، لأن كل نار قويّة كثيرة تسمى جحيم ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في قصّة إبراهيم في سورة الصّافّات {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ } أي في النار . فكلّ آية تأتي في القرآن مثل هذه بأن تأخذهم الملائكة إلى النار أو تسوقهم أو نظير ذلك فهذا خاص في البرزخ. أما يوم القيامة فجاذبية الشمس تجذبهم إليها فلا دخل للملائكة في إدخالهم جهنّم ، ولذلك قال الله تعالى في سورة الطور {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } يعني يهجمون على النار جماعات . وذلك بسبب تلك الجاذبية وليس بإرادتهم . وقال تعالى في سورة مريم {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا }، وهذا يكون يوم القيامة لأنّ الشمس تجذّبهم جميعاً المؤمنين والكافرين ، وقوله تعالى {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا } يعني تجنّبوا الإشراك فلم يُشركوا مع الله شيئاً في العبادة ولكنّهم مذنبون فتنجيهم الملائكة من النار بعد أن يستوفوا عقابهم فيها . أما الذين يموتون قبل القيامة تشملهم هذه الآية لأنهم يستوفون عقابهم على الأرض ثم تأخذهم الملائكة إلى جنة المأوى إن كانوا من المؤمنين الموحدين .

والعذاب في الأرض أنواع منهم من يسجن في داره ومنهم يسجن في الصحراء تحت أشعة الشمس وحرارتها ومنهم يسجن في قبره مع جسمه الميت ومنهم يعذّب في النار في البراكين ، وهذا على حسب سيئاتهم .

32 - (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا) بالطول (سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) أي أدخلوه فيها ، يعني لفّوها عليه .

33 - (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ) .

34 - (وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ) يعني كان لا يطعم المساكين ولا يحثّ الناس على إطعامهم .

35 - (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ) يعني ليس له صديق ينفعه ولا قرابة تنجيه من العذاب .

36 - (وَلَا طَعَامٌ) يأكله (إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) هو نوع من النبات يُغسل به الثياب كالأشنان ، ويسمى الغاسول أيضاً .

37 - (لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ) في دينهم وفي عقائدهم ، يعني لم يتبعوا دين الحق بل اتّبعوا الأديان الباطلة .

38 - ثم قال تعالى (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ) .

39 - (وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) .

قلتُ فيما سبق أنّ القسَم في القرآن إذا سبقه كلمة "فلا" يكون القسم مضارعاً ، أي تقع حوادثه في المستقبل ، وقلتُ أيضاً كلّ قسَم يأتي في القرآن هو تهديد ووعيد بوقوع العذاب إلّا ما أقسم بالقرآن فأنه قسم تعظيم . فقوله تعالى (بما تبصرون) يريد بذلك كلّ شيء مادّي نراه بأعيننا ونلمسه بأيدينا ، وهي الأرض وما عليها والكواكب السيّارة وما فيها ، وقوله (وما لا تبصرون) يريد بذلك الطبقات الغازية التي فوق الأرض لأننا لا نراها ، والمعنى: كلّ شيء مادي يتمزّق ويتلاشى من التي ترونها والتي لا ترونها فلا تعلّقوا آمالكم بالمادّة ولا تركنوا إليها فإنّ المادة صائرةٌ إلى الخراب وإنّكم تنتقلون إلى عالم الأثير عالم النفوس ، فاعملوا لآخرتكم وقدّموا لأنفسكم لكي تعيشوا فيها عيشة السعداء ، ولا تركنوا إلى الدنيا وتتركوا آخرتكم فتعيشوا فيها عيشة الأشقياء البائسين .

40 - (إِنَّهُ) أي القرآن (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) عند الله ، هو جبرائيل نزل به على محمد .

41 - (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) كما تظنون (قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ) أي قليل منكم يؤمنون بالله ورسوله .

42 - (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ) كما تتوهمون (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) أصلها تتذكّرون فحذفت إحدى التائين تسهيلاً للكلام ، والمعنى: قليل منكم يتعظون بالقرآن.

43 - (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) .

44 - (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا) محمد (بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) أي بعض الأقوال لو قالها من نفسه ولم ننزلها عليه ،

45 - (لَأَخَذْنَا مِنْهُ) الوحي (بِالْيَمِينِ) أيّ بالقوة ،

46 - (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ) الوحي (الْوَتِينَ) أي المتصل، والمعنى: لأخذنا منه الوحي السابق بأن ننسيه إيّاه ثم لقطعنا منه الوحي اللّاحق المتصل . والشاهد على ذلك قول كعب بن زهير يرثي ربيعة بن مكدّم حين لحقه نبيشة بن حبيب وقتله مع جماعته في الطريق وكان معه ظعائن فيهن أُخته وأُمّه وزوجته فقال:

                      وهو التَّرِيكَةُ بالمِكَرِّ وحارثٍ      فَقْعَ القَراقِرِ بالمكانِ الواتِنِ

فقول الشاعر "بالمكان الواتنِ" يعني بالمكان المتصل الذي لحقه فيه نبيشة وأصحابه. وقال الشمّاخ بن ضرار يخاطب عَرابة:

                   إذَا بَلَّغْتِنـــي وَحَـــمَلْتِ رَحْــلِي      عَرَابَــةَ فاشْــرَقي بــدَمِ الــوَتينِ

أيّ بالدم المتصل من ساق الناقة . لأنهم كانوا إذا جاع أحدهم في الصحراء ولم يجد شيئاً ليأكل فصد الناقة وأكل دمها ، ثم يشدّ مكان الفصد بخرقة فينقطع الدم ، و"عَرابة" إسم إمرأة ، يقول الشاعر لهذه المرأة: إحملي رحلي على الناقة وأقبلي إليّ به فإذا لم تجدي زاداً للسفر أُفصدي الناقة وكلي من دمها حتى تصلي إليّ . وأما قوله "فاشرقي بدم الوتين" لأنّ من يأكل الدم يشرق به حيث لا يستسيغه ، والمعنى: يقول لها تحّملي مشقّات السفر وكلي من دم الناقة حتى تصلي إليّ . وقال الفرزدق يصف امرأةً:

                               إذا جَمَعَتْ لَهُ لَبَناً أتَتْهُ      بِضَهْلِ وَتينِها تَخشَى الغِرَارَا

يقول الشاعر إذا جمعت له لبناً صبّرته ان لا يذهب به حتى يجتمع الباقي الذي تحلبه من الناقة مادام اللبن متصلاً لأنها تخشى الغِرار ، أي تخشى انقطاعه . وفي المنجد يقال "وتن الماء" أي دام ولم ينقطع . ونظيرها في المعنى في سورة الإسراء قوله تعالى {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا} .

47 - (فَمَا مِنكُم) يا أهل مكة ولو كان (مِّنْ) أصحاب محمد (أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) يعني فما أحد منكم يحجزه عنّا ، والمعنى: إنّه لا يتكلّف الكذب لأجلكم مع علمه لو أراد الله به سوءاً لا تقدرون على دفعه.

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم