كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الإنسان من الآية( 1) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1 - (هَلْ أَتَىٰ) يعني ألم يأتِ ؟ ومثلها قوله تعالى { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى }، { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ}، { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } والمعنى ألم يأتك حديث الغاشية فيما سبق من القرآن؟ ومن ذلك قول عنترة:

                        ألاَ هلْ أتاها أنَّ يومَ عراعرٍ      شفى سقماً لو كانتِ النفسُ تَشْتفي

فقول الشاعر ألا هل أتاها ، يعني ألم يأتها خبر يوم عراعر كيف فعلنا بهم؟ وإنمّا قال الله تعالى { هَلْ أَتَاكَ }، ولم يقل ألم يأتك ، لأن كلمة "ألم" تستعمل للتأكيد ، وكلمة "هل " تستعمل للسؤال والاستفسار ، ومعناه هل فهمت حديث الغاشية حين أتاك؟
(عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) يعني لم يكن الأنسان شيئاً ذا أهمية وقابليّة ولا تذكره الملائكة بلسانها بأنّ في الأرض إنساناً بل كان تراباً على وجه الأرض تدوسه الجنّ بحوافرها والأنعام بأظلافها، ولمّا جعلناه بشراً يبصر ويسمع ويعقل تكبّر علينا ولم ينقاد لأمرنا ولم يشكر لنعمتنا بل كفر بخالقه وأنكر إنعامه .

2 - (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) الأمشاج معناه الأخلاط ، ومن ذلك قول زهير بن حزام الهذلي:

                     كأنّ الريشَ والفوقَينِ مـنـهُ      خِلافَ النصلِ سِيطَ بهِ مشيجُ

والمعنى: خلقناه من حيمن الرجل وبويضة المرأة فيختلطان ببعضهما مع البعض ويندمجان (نَّبْتَلِيهِ) أي نختبره بما نكلّفه من الواجبات الدينيّة لنرى هل يطيع أوامرنا أم يعصي كي نجزيه على أعماله ونعاقبه على أفعاله (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) .

3 - (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) أي بيّنا له الطريق ونصبنا له الأدلّة على معرفة الخالق ونهيناه عن عبادة الأصنام والأوثان وعن الأعمال السيئة وجعلناه مخيّراً (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) فإن شكر فمصيره الجنة وإن كفر فمصيره النار .

4 - (إِنَّا أَعْتَدْنَا) أي هيئنا (لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) الغل يوصل اليدين بالرقبة، وهي آلة حديدية تستعمل للتقييد والحبس، والسعير هو النار المستعرة أي المشتعلة .

5 - ونزل في مدح الأبرار قوله تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ) أي الذين يبرّون الفقراء والضعفاء ، يعني يطعمونهم ويكرمونهم (يَشْرَبُونَ) في الجنة (مِن كَأْسٍ) وهي الخمرة (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) أي ممزوجة بطيب الكافور ، وهو غير الكافور الذي في الدنيا .

6 - وفيها (عَيْنًا يَشْرَبُ) منها ويغتسل (بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) الصالحون المتقّون (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) أي يوسّعون العيون فتخرج المياه منها بغزارة إلى حيث شاؤوا وذلك لطيب مائها .

7 - الذين (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) إذا نذروا لله (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) أي منتشراً على الكافرين والمجرمين. ومن ذلك قول حسّان بن ثابت:

                   وهانَ على سُراةِ بني لويٍّ      حريقٌ بالبويرةِ مستطيرُ

واليوم الذي يكون شرّه منتشراً على الناس هو يوم وقوف الأرض عن دورتها المحوريّة حيث يعمّ الجميع ، فيعم الشر المقيمين في جهة النهار والمقيمين في جهة الليل ، وهذا الحادث يكون قبل يوم القيامة بألف سنة ، أمّا المؤمنون فلا يشملهم هذا الشر لأنّهم يصعدون إلى جنّة المأوى مع الملائكة قبل هذا الحادث يعني نفوسهم تصعد . أمّا قوله تعالى {كَانَ شَرُّهُ } على صيغة الماضي فمعناه إنّ الله أنذرهم به قبل وقوعه . وذلك قوله تعالى في سورة الحج { وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } يعني معدّ لعذاب المجرمين والكافرين .

8 - (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ) أي على حب الله وفي سبيل الله (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) ولكن اليوم صارت الناس تُطعم الطعام في سبيل الأئمة والمشايخ ولا يطعمون في سبيل الله ، وهذا هو الإشراك ولا يثابون على ذلك بل يُعاقبون عليه .

9 - (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) وفي سبيله (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) .

10 - (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) وكانت العرب تصف اليوم الذي تقع فيه شدائد او حرب يصفونه بالعبوس أو القمطرير ، وجاء في القرآن بلغتهم وعلى عادتهم بالأمثال ، والشاهد على ذلك قول الشاعر :

               بَني عَمِّنا هَلْ تَذْكرونَ بلاءَنا      عليكم إِذا ما كان يومٌ قُماطِرُ

وقال عنترة:
            أعاذلُ كم من يومِ حربٍ شهدتُهُ      له منظرٌ بادي النواجذِ كالِحُ

وقال أيضاً:
            لقد كان يوماً أسود الليلِ عابِساً      يخافُ بلاه طارقُ الحدثانِ

وكذلك العبوس هو الشديد في الشر ، ومن ذلك قول أُميّة بن أبي الصلت:

              ولا يومُ الحسابِ وكان يوماً      عبوساً في الشدائدِ قمطريرا

وقالت الخنساء:
            مَن الحربُ ربّته فليس بسائمٍ      إذا ملّ عنها ذاتَ يومٍ ضجورُها
          إذا ما اقمطرّتْ للمغارِ وأيقنتْ      بهِ عن حيالٍ مُلقَحٍ مَن يبورُها

فقولها "إذا ما اقمطرّت"، يعني إذا اشتدّت الأعداء على أخيها في الغارة والهجوم . وقالت أيضاً:

          في جوْفِ لحدٍ مُقيمٌ قد تَضَمّنَهُ      في رمسهِ مقمطرَّاتٌ وَاحجارُ

فقولها " مقمطرَّاتٌ " يعني صخوراً كباراً شديدات وأحجاراً صغاراً .

11 - (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَ‌ٰلِكَ الْيَوْمِ) بإن أدخلهم جنّة المأوى ولم يبقوا على الأرض بعد مماتهم (وَلَقَّاهُمْ) في الجنة (نَضْرَةً) أي منظراً تبتهج به نفوسهم (وَسُرُورًا) لأفئدتهم .

12 - (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا) على الجهاد وطاعة الله (جَنَّةً) يسكنونها (وَحَرِيرًا) من اللباس يلبسونه .

13 - (مُّتَّكِئِينَ فِيهَا) أي في الجنّة (عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) لأنّ الشمس الحالية تتمزّق في يوم القيامة فتكون بعد ذلك كواكب سيّارة ، والزمهرير كناية عن القمر فهو ينشق نصفين قبل القيامة وتجذبه الشمس إليها ، والمعنى: لا يصيبهم فيها حرٌ ولا برد فهم في ربيع دائم .

------------------------------------
<<السورة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم