كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الطارق من الآية( 1) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1 - (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) "الواو" للقسَم ، وهو قسَم ماضٍ ، و"السماء" يريد بها سماء نينوى ، أي الموصل ، و"الطارق" هو الذي طرقها ليلاً ، أي صار طريقه عليها ، ومن ذلك قول الخنساء:

                وضيفٍ طارقٍ أو مستجيرٍ      يُروّعُ قلبَه من كلّ جرسِ
وقال جرير:
            طَرقَتْ لميسُ وليتَها لم تَطْرقِ      حتّى تَفكّ حِبالَ عانٍ مُوثَقِ

2 - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ) يعني لو رأيته لرأيت شيئاً عظيماً وهولاً مخيفاً. ثم بيّن ماهو ذلك الطارق ليلاً فقال تعالى:

3 - (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) يعني المذنّب المشتعل ، ومن ذلك قول حسّان:

                     نُفَجّئُ عَنّا النُّاسَ حتّى كأنّما      يلفحهمْ جمرٌ من النارِ ثاقبُ

أي مشتعل. والمذنّب الذي أقسم الله به أرسله على أهل نينوى ليحرقهم ويبيدهم ، فلما رأوه من بعيد رجعوا إلى الله بالتوبة واستغفروا لذنوبهم وتابوا إلى ربّهم وتضرّعوا فقبل توبتهم ودفع العذاب عنهم وابتعد المذّنب وسقط في الصحراء في مكانٍ غير مسكون . وممّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة يونس {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}. وهذا تهديد ووعيد للمشركين، والمعنى إن لم تؤمنوا بي وتصدّقوا رسولي أرسِلْ عليكم من تلك النجوم ذوات الذنب فتبيدكم كما أرسلتها على أهل نينوى لَمّا كذّبوا رسولي يونس .

4 - (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) يعني ما كلّ نفس عليها حافظ يحفظها من الجن والشياطين لَمّا تموت وتنتقل بموتها إلى عالم النفوس بل الحَفَظة خاصّة للمتقّين. أمّا الأنبياء والمرسلون والشهداء في سبيل الله فلا يحتاجون إلى حَفَظة لأنّهم صعدوا إلى السّماوات الأثيرية إلى الجنان.

فالحفظة هم على ثلاثة أقسام:
قسمٌ منها خاص لحفظ الهُداة في دار الدنيا من أذى الجن والشياطين والأرواح الشريرة ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الرعد {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}. أي للهادي حرس من الملائكة تحفظه من الجن والشياطين والأرواح الشريرة، وذلك قوله تعالى {إنّما أنت منذرٌ ولكل قوم هادٍ}.

والقسم الثاني هم كتبة يكتبون أعمال الناس في دار الدنيا ويحفظون عليهم أقوالهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الإنفطار {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}

والقسم الثالث يحفظون المتقّين بعد موتهم وانتقالهم إلى عالم النفوس يحفظونهم من الجن والشياطين والأرواح الشريرة حتّى يوصلوهم إلى جنّة المأوى ، وهما إثنان لكلّ إنسان تقي صالح . وذلك قوله تعالى في سورة فصّلت حاكياً عن قول الملائكة {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}. أي نتولّى شؤونكم ونرعاكم في الدنيا وفي الآخرة بعد موتكم .

5 - (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ) الناكر لقدرتنا (مِمَّ خُلِقَ) .

6 - (خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ) هو المني .

7 - (يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) أي يخرج من جسم الرجل فيجتمع في حويصلتين قرب المثانة ، وعند الجماع يخرح منهما بتدفّقٍ ويصبّ في رحم المرأة. فالصُّلب هو الظهر ، والترائب هي عظام الصدر. والشاهد على ذلك قول قيس بن الملوح:

                      تعَلَّقتُ لَيْلَى وهْيَ غِرٌّ صَغِيرَةٌ      ولم يَبْدُ لِلأترابِ من ثَدْيها حَجْمُ

8 - (إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) والمعنى: لا تختصّ قدرته على إعادة الأجسام الميتة إلى الحياة فقط ، بل حتى لو أراد أن يعيدها ماءً كما كان أوّلاً فهو قادر على ذلك. ثم ابتدأ الكلام فقال تعالى:

9 - (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) أي تُختبَر السّرائر ، وهي أعمال الإنسان التي يعملها سرّاً ، فإن عمل منها صالحاً في السرّ فهو من أهل الجنّة ، وإنْ عمِل الموبِقات .

10 - (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ) يعني فماله من قوّةٍ يمتنع بها عن عذاب الله ولا ناصرٍ ينصره من الله . ثم أقسم الله تعالى بالسّماء والأرض ، وهو قسم تهديد ووعيد بالخراب فقال:

11 - (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) أي ترجع كما كانت في بدء أمرها فتكون دخاناً ، يعني تتفطّر وتختلط تلك الغازات ببعضها فتكون دخاناً كثيفاً كما كانت سابقاً، وذلك قوله تعالى في سورة فصّلت {ثم استوى إلى السماء وهي دخانٌ}.

12 - (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) يعني من عاداتها التصدّع ، فقد تصدّعت في الماضي فصارت تسع قطع بعد أن كانت واحدة ـ وسوف تتصدّع يوم القيامة ، أي تتقطّع وتنتثر في الفضاء فتكون نيازك . فالصدع هو الفطر في الزجاج وفي كلّ شيء صلب ، ولا يقال في الثياب انصدعت ، بل يقال إنشقّت ، ومن ذلك قول الأعشى:

                      فبانتْ وقد أورثتْ في الفؤ===ادِ صَدعاً يُخالِطُ عثّارَها
                    كصدعِ الزجاجةِ ما يستطي===عُ من كان يشعبُ تِجبارها

13 - (إِنَّهُ) أي القرآن (لَقَوْلٌ فَصْلٌ) أي فاصل بين الحق والباطل .

14 - (وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) اي ماهو باللّعب بل الجدُّ .

15 - (إِنَّهُمْ) أي المشركون (يَكِيدُونَ) لك (كَيْدًا) .

16 - (وَأَكِيدُ كَيْدًا) يعني وأهيء لهم أسباب الهلاك والدمار حتّى أبيدهم عن آخرهم وهم لا يعلمون .

17 - (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ) أي إنتظر بهم (أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أي قليلاً من الزمن ونحن ننصرك عليهم ونشتّت شملهم . ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم:

                    تهدّدْنا وأوعِدْنا روَيداً      متَى كنّا لأمّكَ مُقتَوِينا
وقال عنترة:
                 رويداً إنّ أفعالي خطُوبٌ      تشيبُ لهولها رؤوس القرونِ

                         تمّ بعون الله تفسير سورة الطارق ، والحمد لله ربّ العالمين.

                                                      سورة الأعلى

------------------------------------
<<السورة السابقة الصفحة الرئيسة السورة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم