تفسير سورة إبراهيم من الآية( 24) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : http://quran-ayat.com/huda/

24 - (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) للأعمال الصالحة والكلام الطيّب (كَلِمَةً طَيِّبَةً) يقولها الإنسان ، وهي كلمة التوحيد ، أن يقول لا إلاه إلّا الله ، أو غيرها من ذكر الله كالتسبيح والتحميد والشكر لله (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وهي كل شجرة لها ثمر وليس فيها شوك وتُظلّ من يجلس تحتها عن الشمس (أَصْلُهَا ثَابِتٌ) في الأرض ، يعني الشجرة الماديّة باقية في الأرض يتفرع منها أشجار كثيرة وذلك بواسطة التقليم أو النواة التي تزرع فتكون شجرة أخرى (وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) يعني ما يتفرّع منها من أشجار أثيرية تذهب بها الملائكة إلى السماء فتكون من أشجار الجنة . لأنّ الأشجار والأثمار لها أرواح كما للإنسان والحيوان أرواح، فإذا قُطِعت شجرة من الأشجار التي في الدنيا وماتت فإنّ روحها لا تموت بل تبقى حية مدى السنين والدهور وهي غضة مثمرة كثيرة الأغصان مملوءة بالأثمار ، لا تسقط أوراقها ولا تنفد ثمارها ، لا تحتاج إلى ماء ولا سماد ولا يميتها برد ولا داء . وقد شرحتُ عن الجنان وأشجارها في كتابي الإنسان بعد الموت شرحاً وافياً .
25 - (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) يعني الأشجار الأثيرية تعطيك الثمر على الدوام وليس لها وقت محدود ، فكلمة " أُكُلَهَا " يعني ما يؤكل منها . ومثلها في سورة الرعد قوله تعالى {أُكُلها دائمٌ وظلُّها} يعني فاكهتها موجودة في الأشجار على الدوام .

(بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ) تفهيماً وتقريباً للأذهان (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي لعلهم يتّعظون .26 - (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ) وهي كلمة الكفر والإلحاد وكلّ كلام باطل من كذب وشهادة زور (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) وهي كل شجرة ذات أشواك ولا تظلّ من يجلس تحتها عن الشمس وتغريك بثمرها فإذا قطفتَ من ثمرتها آذتكَ بشوكها ، ومن تلك الأشجار شجرة توت العلّيق التي أكل منها آدم وحوّاء فمزقت ثيابهما وخدشت أيديهما بشوكها وطُرِدا من الجنة بسببها (اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ) أي قُلِعت من الأرض ، لأنّ آدم قلعها ورمَى بها على الأرض وذلك لما أصابه من هموم بسببها ، وإنّما قال الله تعالى (مِن فَوْقِ الْأَرْضِ) ، ولم يقل من الأرض ، يعني قُلِعت من الجبل الذي فوق الأرض ، وقد ذكرتُ سابقاً بأنّ الجنة التي خلق الله تعالى فيها آدم وحواء كانت على جبل ، والجنة هي البستان .

(مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) أي لم تستقرّ تلك الشجرة في مكانها على ساق واحد بل تمتد في جهات مختلفة فتارة يخرج فرعٌ منها عن يمينها وتارة عن شمالها وهكذا تنتشر في الأرض فتؤذي الناس بشوكها . وهذا مثل ضربه الله تعالى في المنافقين الذي يغوون بكلامهم المنمّق وكذبهم المُرتّب فيوقعوهم في المهالك حتى إذا ظهر للناس كذبهم وبان دجَلهم غيّروا كلامهم وقالوا لم نقل هذا بل قلنا كذا ، وأخذوا يغيرّون المعنى ، فهم كذّابون لم يستقر لقولهم قرار ، وفيهم قال الشاعر :
يُعطيكَ من طَرَفِ اللسانِ حلاوةً ..... ويروغُ عنكَ كما يروغُ الثعلبُ27 - (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) الذي لا يتغيّر (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) وذلك من فضل الله عليهم ، وذلك قولهم الحمد لله ربّ العالمين ، ففي الدنيا يقولون الحمد لله الذي هدانا للإسلام فأسلمنا وآمنّا ، وكذلك في الآخرة يقولون الحمد لله الذي هدانا إلى طريق الجنة وأنقذنا من النار ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة يونس{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ،

وقوله (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) يعني الذين يظلمون الناس ويغصبون حقوقهم يُضلّهم الله عن طريق الحق ، أما الذين آمنوا فهم رُحماء ولذلك هداهم الله إلى طريق الحق (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) مع الفريقين يوم القيامة من خير ونعمة للمؤمنين ، وشر ونقمة للظالمين ، فكونوا رحماء فيما بينكم يا أولاد آدم كي تنالوا رحمة ربّكم وتنجوا من عقابه .