تفسير سورة ص من الآية( 15) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda/


الاســـم:	11844082_862584680489213_1783223560_n.jpg
المشاهدات: 174
الحجـــم:	32.3 كيلوبايت

17 - (اصْبِرْ) يا محمّد (عَلَى مَا يَقُولُونَ) من الاستهزاء والسخرية (وَاذْكُرْ) أذى (عَبْدَنَا دَاوُودَ) وكيف صبر على أذى قومه فكانت نتيجة صبره أنّا جعلناه ملكاً على بني إسرائيل بعد موت طالوت . وكان داوود (ذَا الْأَيْدِ) أي ذا الأيادي على قومه إذ نصرهم على أعدائهم فقتل جالوت وهزم جيشه فانتصر بنو إسرائيل بسببه وقام بأعمالٍ كثيرة لطالوت أيضاً ، ولكنّهم آذَوه وأرادوا قتله فهرب منهم إلى الجبال وهم يطلبونه ليقتلوه بدون ذنبٍ منه ولا إساءةٍ أساءها معهم ولكن حسداً من طالوت وتكبّراً عليه إذ علم أنه سيتولّى الملك بعده . وكذلك أنت يامحمد لك الأيادي على قومك بإرشاداتك وصدقك وأمانتك معهم فأنت تريد هدايتهم وهم يريدون قتلك ، وأنت تريد نفعهم وهم يريدون مضرتك ، فكما فعلت بنو إسرائيل مع داوود من الأذى كذلك قومك . (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي توّاب يرجع إلى الله بطلباته ولا يسأل أحداً إلّاالله . من قولهم "آب" أي رجع ، ومن ذلك قول الأعشى :

وإني امرؤٌ قد باتَ همّي قريبَتي ..... تأوِّبُني عندَ الفراش تأوّبا18 - (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ) بترديد الصدى (بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) يعني على الدوام .
19 - (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ) . لَمّا كان داوود يناجي ربّه ويقرأ الزبور كانت الطيور التي حوله تجتمع إليه وتغرّد بأصواتها لئلا يستوحش داوود من الوحدة ، فإذا ذهبت لتأكل تعود بعد ذلك ، وهذا معنى قوله تعالى (كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ) .
20 - (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) أي أحكمنا وقوّينا ملكه بوزراء عُقلاء علماء ورؤساء فاهمين فانتخبوه ملِكاً عليهم بعد أن قُتِلَ طالوت (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) أي الموعظة في الزبور (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) في الحُكم ، يعني الفصل بالحكم بين المتخاصمين .
21 - (وَهَلْ أَتَاكَ) يا محمد (نَبَأُ الْخَصْمِ) يعني هل بلغك خبرهم (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) يعني صعدوا إلى داوود من السور من فوق المحراب . وهما مَلَكان أرسلهما الله تعالى إلى داوود ليُذكّراه بخطيئته ، وإنما جاء ذكرهما على الجمع لأنّ ناثان النبيّ جاء بعدهما وسأله مثل تلك الأسئلة وأنّبه على فعله ، فصاروا ثلاثة ولذلك جاء ذكرهم على الجمع .
22 - (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ) لأنهم دخلوا عليه في غير الوقت المقرّر للمحاكمة (قَالُوا لَا تَخَفْ) نحن (خَصْمَانِ97بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ) أي ولا تتجاوز الحق فيه بالميل لأحدنا على خصمه . فكلمة "شط" معناها البعد وتجاوز الحد فيه . ومن ذلك قول عنترة :

دارٌ لعبلةَ شطَّ عنْك مزارُها ..... ونأْتْ ففارَقَ مُقْلتيك هُجوعُها
(وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ) أي أرشدنا إلى وسط الطريق الذي هو طريق الحق .23 - ثم حكى سبحانه ما قاله أحد الخصمين فقال (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) . تصف العرب النساء بالنعاج إذا كُنّ سماناً ، والنعجة هي بقرة الوحش . والشاهد على ذلك قول امرئ القيس :

هُمَا نَعجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تَبَالَةٍ ..... لدى جُؤذَرَينِ أوْ كبعض دمى هَكِرْ
إذا قَامَتَا تَضَوّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا ... نَيسمَ الصَّبَا جاءتْ برِيحٍ من القُطُرْ
وهذه التسع والتسعون كناية عن نساء داوود ، والنعجة الواحدة كناية عن زوجة أوريا جاره ، (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) أي إجعلني كفيلاً لها ولمعاشها ، ومن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها :
فتًى كانَ فينا لم يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ ..... كَفالاً لأمٍّ أو وَكيلاً لمَحْرَمِ
(وَعَزَّنِي) أي غلبني (فِي الْخِطَابِ) أي في المراد فكانت إرادته أقوى من إرادتي ، مفردها "خطب" وهو الإرادة . والدليل على ذلك في قوله تعالى { مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ }.
24 - (قَالَ) داوود في جوابه (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ) ليضمّها (إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء) يعني من الرعاة الذين تختلط نعاجهم مع نعاج غيرهم (لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) بأخذ ما ليس له من الغنم (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) بالبعث والحساب (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) يعني وهم قليلون . فحينئذٍ قال الملَكان قضى داوود على نفسه . وصعدا إلى السماء ، فانتبه حينئذٍ داوود وعرف أنّ المحاكمة كانت عليه وهو صاحب النعاج التسع والتسعين ، وجاره أوريّا صاحب النعجة الواحدة ، وبعدها جاء ناثان النبيّ وسأله مثل ذلك وعاتبه على فعله هذا .

القصة : صعد داوود يوماً إلى سطح داره فوقعت منه نظرة إلى سطح جاره أوريّا فرأى زوجته عريانة تغتسل فوق السطح وكانت جميلة فوقع حبّها في قلبه ، وكانت معركة بين الفلسطينين وبين بني إسرائيل فأرسل زوجها إلى المعركة فقُتِلَ فتزوجها داوود بعد وفاة زوجها ، فولدت له إبناً مات صغيراً ثمّ ولدت له سليمان ، واسمها بثشبع . وكانت لداوود سبعٌ من النساء ومن السراري اثنان وثمانون سريّة ، ولذلك قال الملَك تسع وتسعون نعجة ، أما أوريّا فلم يكن له إلا امرأة واحدة . والقصّة مذكورة في سفر صاموئيل الثاني في الإصحاح الثاني عشر .
(وَظَنَّ دَاوُودُ) أي أيقن (أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) أي اختبرناه بما فعل (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) لما بدا منه من خطيئة (وَخَرَّ رَاكِعًا) يصلي (وَأَنَابَ) أي رجع إلى ربّه بالتوبة .25 - (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ) الذنب (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا) في الآخرة (لَزُلْفَى) أي قُرب المنزلة (وَحُسْنَ مَآبٍ) في الجنة .
26 - ثم خاطبه على لسان النبي ناثان فقال (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) من بعد شاؤول ، يعني جعلناك ملِكاً على بني إسرائيل بعد طالوت (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) لا تغصب حقّ أحدٍ من المؤمنين (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) أي ولا تتّبع الشهوات فتشتهي زوجة غيرك . ومن ذلك قوله تعالى في سورة النازعات { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } .

(فَيُضِلَّكَ) الهوى (عَن سَبِيلِ اللَّهِ) فتُعاقَب على ما فعلت لولم تتبْ وتستغفر (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) .