تفسير سورة الزمر من الآية( 43) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :




43 - (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ) تقديره هل إتخذوا الأنداد لينصروهم أم إتخذوهم شفعاء ، كلا ، لا يستطيعون نصرهم ولايشفعون لهم فللّه الشفاعة جميعاً (قُلْ) لهم يا محمد (أَوَلَوْ كَانُوا) شركاؤكم (لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا) من ذلك فلا النصر على أعدائهم ولا الشفاعة (وَلَا يَعْقِلُونَ) لأنها أحجار منحوتة لا تسمع ولا تبصر .
44 - (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) يعني إنّ الشفيع لايشفع إلا لِمَن أذن الله بشفاعته (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والذين تدعون من دونه لا يملكون شيئاً منهنّ (ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ) بعد موتكم فيعقابكم على أفعالكم .
45 - (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ) بالقدرة وإن الأنداد لاقدرة لهم على شيء (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) يعني نفرت قلوبهم منك وأنكروا عليك هذا القول وقالوا بل شركاؤنا أيضاً لهم القدرة بتمليك الله لهم إياها . فالاشمئزاز معناه النفور ، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم :

إِذَا عَضَّ الثَّقَافُ بِهَا اشْمَـأَزَّتْ ..... وَوَلَّتْـهُ عَشَـوْزَنَةً زَبُـوْنَـا
(وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) بالقدرة والذكر الحسن (إِذَا هُمْ) أي المشركون (يَسْتَبْشِرُونَ) ويفرحون بمدح آلهتهم .
أقول لقد انطبقت هذه الآية في زماننا كلّ الانطباق ، فإذا قلت لمن يتمسّك بقبور الأئمة والمشايخ : "إنّ القبور هذه لاتملك لك نفعاً ولاتدفع عنك ضرّاً ، إسأل حاجتك من الله وهو يقضيها لك ، لإنّ القدرة له والأمر بيده ولا قدرة لغيره من المخلوقين ." فإذا سمع هذا القول منك اشمأزّت نفسه وحقد قلبه عليك وأدار بوجهه عنك وقال : "هؤلاء أولياء الله وقد وهبهم الله من قدرته فهم يبرئون الأكمه والأبرص بل ويحيون الموتى بإذن الله ويُدخِلون الجنة من أحبّوا والنار لمن كرِهوا فيجب علينا تقديسهم وتشييد قبورهم وتقديم القرابين لأجلهم لأنهم شفعاؤنا عند الله ولأجلهم خلق الله السماوات والأرض ." وقد نسوا قول الله تعالى {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ، وإذا ذُكرت عندهم محاسن أحد الأئمة تراهم يستبشرون ويأخذون في مدحه والثناء عليه ، وهذا نوع آخر من الإشراك .46 - (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي مشقّق الكواكب السيّارة وجاعلها قطعاً كثيرة بعدما كانت أرضاً واحدة . ومما يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الأنبياء {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} . يعني كانتا قطعة واحدة فشقّقناها وجعلناها قطعاً كثيرة . وقد سبق شرح كلمة "فاطر" في سورة الأنعام أيضاً في آية 14 وآية 79 .

(عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي عالمٌ بما غاب عنّا وما حضر عندنا (أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ) المشركين (فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من شؤون الدين .