تفسير سورة الجاثية من الآية( 23) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda



23 - )أَفَرَأَيْتَ) يا محمد ، أصلها أرأيت والفاء للتفكير ، والمعنى : أرأيت وفكرت في (مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ) يعني من اتّخذ معبوداً بما تهوى نفسه (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ) يعني إنّه عالم بالأشياء غير جاهل ومع ذلك العلم فقد أضلّه الله عن طريق الحق لأنه ظالم يظلم الضعفاء والمساكين ويغصب حقوقهم (وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً) فلا يسمع صوت الحق ولا يرى طريقه ولا يهتدي إليه (فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ) إضلال (اللَّهِ) له ، أي لا أحد يقدر على هدايته (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) أي لا تتفكرون في العاقبة والعقاب فتتعظون وتتركون الظلم .
24 - (وَقَالُوا) منكروا البعث والحساب (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) التي نعيش فيها ثم (نَمُوتُ وَنَحْيَا) أي نموت نحن وتحيا أبناؤنا ، يعني تقوم أبناؤنا مقامنا وليس بعد هذه الحياة حياة أُخرى تعدوننا بها ولا ملَك يقبض أرواحنا كما تقولون (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) يعني وما أسباب الموت إلا المرض أو القتل أو الغرق أو الحرق أو الهرم . فقال الله تعالى (وَمَا لَهُم بِذَ‌ٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ) لأنهم في عالم مادي ولا يعلمون شيئاً عن عالم الأثير عالم النفوس ولا يعتقدون به إلا بعد موتهم لمـّا ينتقلون إليه (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) أي سائرون على الظن وليس على الحقائق .
25 - (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ) وفيها ذكر البعث والحساب (مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ) في الأمتناع عن الإيمان (إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا) الموتى (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) بأنّ هناك بعثاً وحساباً . فظنّوا أن الأنسان هو الجسم المادي الذي دُفن في القبر ولم يعلموا أن الانسان الحقيقي هو النفس الروحانية ، وأنّ آباءهم موجودون في عالم النفوس يسمعون ويبصرون ولكن لايرونهم ، وما البعث والحساب الذي أنكروه إلّا للنفوس ولا داعي إلى إعادة الأجسام ثانية . والشاهد على ذلك قوله تعالى فيما يلي :
26 - (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ) الحياة الأولى ، أي يخلقكم في بطون أمهاتكم (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) بعد انقضاء آجالكم (ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ) في عالم البرزخ وأنتم نفوس أثيرية (إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) الذي (لَا رَيْبَ فِيهِ) وهو اليوم الذي تتمزق فيه المجموعة الشمسية ، وهذا الحادث لا ريب فيه ، لأنّ كلّ شيء مادي صائر إلى الخراب مهما طال مكثه ، فإذا جاء ذلك اليوم نبعث النفوس من الأرض إلى الفضاء إلى المحشر وهناك يكون الحساب ، وليس كما تظنون بأننا نعيد الأجسام الميتة إلى الحياة ثانية ثم نعيد النفوس فيها ، فهذا شيء غير معقول ، فهل من المعقول أن نعيد الفرخ إلى بيضته التي خرج منها ، إذ ليس الغاية من تكوين البيضة هو قشرها بل هو الفرخ الذي تكون فيها . فالنفس تمثّل الفرخ ، والجسم يمثّل قشر البيضة (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الحقيقة . فتأمّل إلى كلمات الآية وفكّر في معانيها فإنّ الله تعالى لم يذكر حياة بعد ذكر الممات بل قال ثم يجمعكم إلى يوم القيامة .