تفسير سورة الذاريات من الآية( 1) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : http://quran-ayat.com/huda/



1 - (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) الذاريات هي الرياح ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الكهف فأصبح هشيماً تذروه الرياح . أيّ تفرّقه الرياح ، والواو للقسم وهو قسم ماضي أيّ أنّ الله تعالى أقسم بحادث مضى وانقضى ، وهو تهديد ووعيد بالعذاب ، والمعنى قسَماً بالرياح الذاريات ذرواً . ثم أخذ سبحانه يبيّن بعض الأعمال التي قامت بها تلك الرياح فقال :
2 - (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) الوِقر بكسر الواو هو الثقل ، ومعناه فالحاملات ثقلاً . ومن ذلك قول عنترة يصف الخيل:

يحْمِلْنَ فِتْياناً مَداعِسَ بالقَنا ..... وقراً إذا ما الحربُ خفَّ لواها3 - (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) أي فالجاريات بسهولة ، والمعنى بسرعة .
4 - (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) يعني فالمفرٍّقات الجن والنفوس بقوة اندفعاها ، فكلمة "أمر" كناية المخلوقات الروحانية . ومثلها في المعنى في سورة النازعات قوله تعالى { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } يعني فالملقيات الجن والنفوس على أدبارهم بقوة اندفعاها .
5 - (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ) يعني ما توعدون به من الحشر والعقاب لوعد صادق . وجواب القسم إن لم تؤمنوا بمحمد وتتركوا عبادة الأصنام نرسل عليكم مثل تلك الرياح فنهلككم بها كما أهلكنا قوم هود بالأعاصير .
6 - (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) عليكم ، "الدين" هو الانقياد لحكم الله تعالى . ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم:

وَأيامٍ لنا غرٍّ طِوالٍ ..... عَصَينا الملْكَ فيها أنْ نَدينا
والمعنى أنّكم ستنقادون للعذاب بعد موتكم إنْ لم تنقادوا اليوم لأمرنا .7 - (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) أي ذات التراصف الواحدة فوق الأخرى ، ويقصد بها السماوات الغازيّة . ويفسرها قوله تعالى في سورة المؤمنون { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ } . فالحبك هو التراصف والتجمع شيء مع شيء . والشاهد على ذلك قول عنترة يخاطب عبلة :

فَسائلي فرَسي هلْ كُنْتُ أُطْلِقُهُ ..... إلاّ علَى مَوْكبٍ كاللَّيل مُحتبِكِ
فقل الشاعر "مُحتبك" صفة للموكب ، أي مجتمع متراصف . وقال زهير يصف نهراً:
مُكَلَّلٍ بِأُصولِ النَبتِ تَنسُجُهُ ..... ريحٌ خَريقٌ لِضاحي مائِهِ حُبُكُ
أي خطوط متراصفة كأنها نسجت في الماء يصف بذلك تموج الماء ، وقال امرؤ القيس يصف السماء والجبال التي تحتها وهي مكلّلة بالغيوم :
مُـــــكـــــلّلـــــــةً حَــــــمْــــــراءَ ذات أســــرّةٍ ..... لــهـــا حَـــبَـــكٌ كـــأنــّـهـــا مـــن حـــبــــائــلِ
والواو من قوله (وَالسَّمَاءِ) للقسَم وهو قسم ثاني ، المعنى : ستتفرق هذه السماوات الغازية بعد أن كانت متراصفة وتختلط غازاتها بعد أن كانت منفصلة فتكون كالدخان المتكوّن من سبعة غازات ، وأنتم أيها المشركون ستبقون على الأرض تتعذبون بذلك الدخان ولانرفعكم إلى السماء مع المؤمنين . ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الدخان {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ . يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} . وهذا الحادث يكون قبل القيامة .