تفسير سورة الذاريات من الآية( 20) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda/




24 - ثمّ خاطب رسوله الكريم فقال الله تعالى (هَلْ أَتَاكَ) ؟

تأتي كلمة "هل أتاك" في القرآن إذا كان الحديث مسبوقاً ، فيكون المعنى هل فهمت الحديث حين أتاك قبل هذه السورة ؟ وقد سبقت قصة إبراهيم مع ضيفه في سورة هود .
(حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) الذين أكرمهم إبراهيم وقدّم لهم الطعام ، وهم ثلاثة من الملائكة .25 - (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) بيتَه (فَقَالُوا سَلَامًا) عليكم (قَالَ) إبراهيم مجيباً لهم (سَلَامٌ) عليكم (قَوْمٌ مُّنكَرُونَ) يعني قال إبراهيم في نفسه إنهم قوم منكرون إذ ليس معهم دوابّ يركبونها ولا متاع كما يكون مع المسافرين .
26 - (فَرَاغَ) إبراهيم (إِلَىٰ أَهْلِهِ) اي فمال سِرّاً لإعداد الطعام لهم (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) مشوي .
27 - (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) منه، فلم يأكلوا لأنّهم روحانيون لا يمكنهم أكل شيءٍ مادي .
28 - (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) لأنهم لم يأكلوا من طعامه (قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) تلده زوجته سارة .
29 - (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) أي في صيحة ، وهي مشتقّة من صرير الباب وصرير الهواء ، ومن ذلك صوت صريرها في الأجواء . والصيحة بعضها تكون مُفرحة كصهيل الخيل وصوت الباز . ومن ذلك قول امرئ القيس :

فَــأَلْــحَــقَــنَــا بِــالــهَـــادِيَـــاتِ ودُوْنَـــهُ ..... جَــوَاحِــرُهَــا فِــي صَــرَّةٍ لَــمْ تُــزَيَّــلِ
أي في صيحة متتابعة . والمعنى أقبلت امرأته بصيحة تشبه صوت الباز ، وهي الهلهولة ، وتسمى عند المصريين "زغرودة" وهو ترديد صوت حسن يستعمل عند النساء وقت الأفراح وفي الأعراس (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) أي لطمت وجهها بأصابع كفّها لشدة تعجبها . ومن ذلك قول البعيث المجاشعي :
تعرّضتَ لي حتى صككتُك صكةً ..... على الوجهِ يكبو لليدينِ أميمُها
ولاتزال هذه الكلمة مستعملة عندنا في العراق في محافظة ذي قار "الناصرية" وهي التي كان إبراهيم يسكنها وزوجته سارة قبل أن يهاجروا منها إلى الأردن ثمّ إلى فلسطين ، فتقول المرأة الساكنة في ذي قار "صكني زوجي على وجهي" أي ضربني (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) فكيف ألدُ ؟30 - (قَالُوا) أي قالت الملائكة (كَذَ‌ٰلِكِ) أي كما قلنا لك يكون (قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ) في مصنوعاته (الْعَلِيمُ) بإحوال عباده .
31 - (قَالَ) إبراهيم (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) أي فما شأنكم ولأيّ أمر جئتم ؟
32 - (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ) هم قوم لوط .
33 - (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ) يعني تكوّنت من طين فصارت حجارة . وفي سورة هود قال تعالى { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ } ، وفي سورة القمر قال تعالى { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ } . فيكون خلاصة ما تقدم أنّها أحجار رسوبية تكوّنت في باديء الأمر من الطين فصارت حصَى بعد مرور مئات السنين .
34 - (مُّسَوَّمَةً) أي فيها أوسمة وعلائم تدّل على أنها أحجار رسوبية ، والعلائم هي الخطوط الملوّنة الموجودة في الحصى ، وقوله (عِندَ رَبِّكَ) أي عنده في عالم الغيب أعدّها (لِلْمُسْرِفِينَ) أي للمكثرين من المعاصي ، فزلزلت الأرض بهم وتلايمت بيوتهم فوقهم ، وسقطت أحجار الحصى على الذين لم يكونوا حاضرين في القرى وقت حدوث الزلزال فهلكوا جميعاً .
35 - (فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا) أي قرية سدوم (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهم لوط وابنتاه .
36 - (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ) واحد (مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) هو بيت لوط ، والباقون كافرون فاسقون .
37 - (وَتَرَكْنَا فِيهَا) أي في القرية (آيَةً) أي علامة ظاهرة هو البحر الميت الذي لايعيش فيه أيُّ حيوان لكثرة أملاحه (لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) فيتجنّبون الكفر والإشراك ويبتعدون عن المعاصي .