تفسير سورة القمر من الآية( 1) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : http://quran-ayat.com/huda/



1 - مرّ النبي (ع) بجمع من قريش فقالوا له مستهزئين به إن كنت رسولاً من الله فشقّ لنا القمر نصفين فنؤمن بك . فنزلت هذه السورة :

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) أي دنت ساعة مماتهم وسنعاقبهم على عنادهم واستهزائهم (وَانشَقَّ الْقَمَرُ) معناها إنشق القمر من الأرض في الماضي، يعني إنفصل منها وسينشق أيضاً حين إقتراب القيامة . وسبب انشقاقه ناتج عن انتهاء جاذبية الأرض ، لأنّ الجاذبية تجمع أجزاء الجرم المجذوب ولا تسمح لها بالتفكّك ، ولَمّا كان القمر مجذوباً بالأرض فإنّ أجزاءه تتفكّك بعد انتهاء جاذبية الأرض ، فحينئذٍ ينشقّ ويكون نصفين ثم تجذبه الشمس إليها . وقد سبق شرح هذه الآية والقمر في كتابي الكون والقرآن على التفصيل [تحت عنوان القمر ينشق نصفَين ] .
2 - (وَإِن يَرَوْا آيَةً) أي معجزة مادية مما طلبوا منك ورأوها قد حصلت حينئذٍ (يُعْرِضُوا) عنك (وَيَقُولُوا سِحْرٌ) وهذا شأنهم مع من مضى من الرسل وقولهم (مُّسْتَمِرٌّ) في كل زمان ، يعني مستمرين على هذا القول والاستهزاء الأجداد والأحفاد .
3 - (وَكَذَّبُوا) بك يا محمد كما كذّبت الأمم السالفة (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ) تقديره واتّبعوا أمرَ كل آمرٍ مستقر، أي ذي راحة واستقرار وترف . والمعنى : إتّبعوا رؤساءهم فيما يأمرونهم به .
4 - (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ) يعني من أخبار الماضين والمكذّبين (مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) يعني مافيه زجر وتحذير مما أصاب الأوائل من أنواع العذاب بسبب تكذيبهم للرسل .
5 - (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) الحكمة هي الموعظة والعلم بالحقيقة ، وضدّها الجهل والتصابي . والشاهد على ذلك قول الأعشى :

تبدّلَ بعدَ الصّبا حكمةً ..... وقنّعَهُ الشيبُ مِنهُ خِماراً
(فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) والمعنى موعظة راشدة فما تغني الرسل الذين أنذروا قومهم عن أن يأتوا بمعجزة مادية إذ لم تؤثر تلك المواعظ بهؤلاء المشركين . وبعبارة أخرى إنّ المشركين لم يقبلوا بالمواعظ بدل المعجزة التي يطلبونها .6 - (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) يا محمد ، أي أتركهم بعد أن أنذرتهم ، وسيأتي يوم عقابهم (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) وهو إسرافيل (إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ) أي ينكره المشركون والملحدون ، وهو العقاب والخزي الذي يصيبهم في المحشر .
7 - (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ) أي ذليلة خاشعة من شدة الفضيحة والخجل بين النفوس (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ) في الفضاء . الأجداث هي القبور . وإنما سكنوا القبور لكي تحميهم عن أشعة الشمس وحرارتها حيث لا يوجد مكان يحميهم عن الشمس سوى القبور ، لأن الجبال تتبعثر وتُسَوى بالأرض . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة طا ها {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا . فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا . لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} .

والمعنى : تخرج النفوس من القبور وتنتشر في الفضاء كالجراد المنتشر في الجو حين يأتي . وإنّما يخرجون من القبور لأنّ الأرض تتمزق فتنكشف عنهم الأرض . وذلك قوله تعالى في سورة ق {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا} . يعني تتشقّق عنه وهم داخل القبور فيخرجون منها وينتشرون في الفضاء ، ثم يدعوهم إسرافيل إلى المحشر فيجتمعون عنده .8 - (مُّهْطِعِينَ) أي منصتين إلى قول الداعي ومنقادين (إِلَى الدَّاعِ) يعني متتبعين صوت الداعي وصاعدين إليه . وهو إسرافيل من الملائكة (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) علينا فيه مشقّات وعذاب .