تفسير سورة الحديد من الآية( 16) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda




16 - كان في المسلمين جماعة فقراء لا يمكلون شيئاً ، وكان بعض الأغنياء منهم يمسكون ولا يتصدّقون على الفقراء إلا القليل فعاتبهم الله تعالى على ذلك فقال (أَلَمْ يَأْنِ) يعني ألم يحن الوقت ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الرحمان في وصف جهنم {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} ، فالآن هو الوقت ،

(لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ) يعني أن تلين قلوبهم ويعطفوا على الفقراء (لِذِكْرِ اللَّهِ) الذكر معناه الموعظة ، والمعنى أما آنَ الوقت أن تلين قلوبهم ويعطفوا على الفقراء لسماعهم كثرة المواعظ التي أنزلها الله في القرآن (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) أي وما نزل في حقّ الفقراء على الأغنياء من الزكاة والمساعدة والهدايا وغير ذلك (وَلَا يَكُونُوا) الأغنياء (كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ) والمعنى لا يكونوا كاليهود الذين أمرناهم في التوراة أن ينفقوا على الفقراء والمساكين ولا يجمعوا المال ولكنّهم عملوا عكس ذلك جمعوا المال وحرموا الفقراء والمساكين منه فأمددناهم بالمال ليزدادوا إثماً (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) يعني فطال عليهم الزمان وكثُر الإمداد (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) لحبّ المال وجمعه فصاروا يظلمون الضعفاء بدل أن يرحموهم فكفروا بنعمة ربّهم ولم يقابلوها بالشكر (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) مع كفرانهم للنعمة .17 - )اعْلَمُوا) أيها الأغنياء الذين تبخلون على الفقراء أنّ مالكم سيذهب أو أنتم تذهبون إلى عالم النفوس وتتركون أموالكم للوارث ولا تستفيدون منها شيئاً في آخرتكم بل تحاسبون عليها وتعاقَبون على إمساك حقوق الفقراء منها (أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) وهذا مثل ضربه الله تعالى للأغنياء بأن الله تعالى سيرحم الفقراء ويغنيهم من فضله إن لم تعطوهم أنتم فيحيَون بالمال كما تحيا الأرض بالمطر (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ) أيها الأغنياء الممسِكون (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وتُنفِقون في سبيل الله ولا تبخلون بالمال فتندموا .
18 - ثمّ أخذ سبحانه يحثّ على الإنفاق ويبيّن ما للمنفقين عند الله من الأجر والثواب فقال (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ) أصلها المتصدّقين والمتصدّقات ، فحذفت التاء منهما للتخفيف (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ) في الدنيا ما تصدّقوا به الواحد بعشرة (وَلَهُمْ) في الآخرة (أَجْرٌ كَرِيمٌ) عند الله .
19 - (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) يعني يُصدَّق قولهم فيمن ظلمهم وتُقبل شهادتهم فيمن يشهدون له عند ربهم يوم القيامة (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) يسعى بين أيديهم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) بالله (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) المنزلة على رسُلنا (أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) خالدين فيها .
20 - ثمّ أخذ سبحانه في ذمّ الدنيا والتحذير منها لئلا يقع الإنسان في فخّها ولا ينهمك بحبها فقال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) . أما اللهو واللعب فلا فائدة فيهما غير ضياع الوقت والانشغال عن تحصيل الآخرة ، وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى لآخرته . أمّا أدوات الزينة والأموال إنْ لم تستعملوها لله وتنفقوها في سبيله تخسروها ولا تجدوا شيئاً منها في حياتكم الثانية ، أي في الآخرة بل تحزنون على تركها للوارث دون أن تقدّموا منها لآخرتكم . قال الله تعالى {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ }.

أما الأولاد الّذين يُشغلونكم عن ذكر الله وعن طاعته قد يعادونكم حين بلوغهم سنّ الرجال ولا تستفيدون منهم ، ويوم القيامة لا يدفعون عنكم شيئاً من العذاب ولا يحملون عنكم شيئاً من أوزاركم . قال الله تعالى {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } .
فالأحسن لكم أن تعملوا لآخرتكم وتقدّموا لحياتكم الأبدية بالإنفاق على الفقراء والمحتاجين لكي تجدوا ما قدّمتموه أمامكم في الحياة الأبدية ولا تجعلوا قلوبكم والهة في حب الدنيا وجمع المال وأحسِنوا مع الناس أن الله يحب المحسنين .
ثمّ أخذ سبحانه يضرب مثلاً فيمن يغتر بالمال وبالدنيا فقال (كَمَثَلِ غَيْثٍ) أي مثل هؤلاء الذين يجمعون المال ولا ينفقون منه في سبيل الله مثل المزارع الذي أعجبه زرعه بنموه وخضرته حين نزل عليه الغيث ، أي المطر ، وذلك قوله تعالى (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) يعني أعجب الزرّاع زرعهم ، فالكفّار هم الزرّاع الذين يكفرون الحبّ في التراب ، اي يغطّونه بالتراب . ففرحوا بزرعهم وظنّوا أنهم آكلون منه ورابحون من حصاده وقالوا سنجمعه ونبيعه ونقبض ثمنه ولا نعطي للفقراء زكاته لكي يزداد مالنا ويكثر ربحنا ، ولكن الله تعالى قطع الغيث عنهم بعد ذلك وأجدب أرضهم لسوء نواياهم (ثُمَّ يَهِيجُ) يعني بعد انقطاع المطر عنه أرسلنا على زرعهم ريحاً هوجاء فذبل زرعهم (فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا) من العطش (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) يعني يتحطّم ويتكسّر تحت الأقدام بسبب يبسه وانقطاع المطر عنه . فقد خسر الزارع زرعه وأتعابه بسبب بخله ، وكذلك الغنيّ الذي يبخل بماله على الفقراء والمحتاجين سيذهب ماله عنه أو يموت ويتركه للوراث ولا يجد شيئاً منه في آخرته ولا يصيبه منه غير الندامة والخسران ، ثم يُعاقب عليه وتلازمه الحسرة والندامة كما ندم هؤلاء الزرّاع بسبب نواياهم السيئة . ثم بيّن سبحانه ما لهؤلاء المانعين للزكاة من العذاب ، وما لهؤلاء الفقراء الصابرين من الرحمة والغفران عند الله فقال (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لمن أمسك ماله ولم ينفق منه على الفقراء والمحتاجين (وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) للمنفقين والفقراء الصابرين (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) فلا تغرّكم بمالها وزينتها وتنسَوا آخرتكم .