تفسير سورة المجادلة من الآية( 1) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : http://quran-ayat.com/huda/



1 - نزلت هذه الآيات في إمرأة من الأنصار إسمها خولة بنت ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت، حدث بينهما مشاجرة فقال لها : "أنتِ عليّ كظهر أمي"، وكانت هذه كلمة الطلاق في زمن الجاهلية، ثم ندم على ما صدر منه ، فجاءت زوجته إلى النبيّ تسأله في ذلك ، فقال لها النبي ما أراكِ إلّا حرُمتِ عليه ، فلما سمعت ذلك من النبي رفعت رأسها إلى السماء وقالت : "اللّهم إنك تعلم حالي فارحمني اللّهم إنّ لي منه صبيةً إن ضممتُهم إليه ضاعوا أو إليّ جاعوا ." فنزلت هذه الآيات :

(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ) خولة (الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) ما بها من مكروه (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) أي تخاطبكما ومراجعتكما في الكلام (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) .
2 - ثمّ أنكر الله عليهم تلك العادة في الطلاق فقال تعالى (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم) أيها المسلمون (مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) يعني هذه عادات المشركين فاتركوها فإنّ الزوجة لا تكون أُمّاً (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ) أي المشركين المظاهرين (لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ) لا يُعرَف في الشرع (وَزُورًا) أي كذباً (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) للمؤمنين .
3 - (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) من المظاهرة . يعني المظاهرة الأولى عفَى عنه يرجع بزوجته بلا كفّارة ، ولكن إذا عاد إلى ذلك وقال لزوجته أنت عليّ كظهر أُمي ، فعليه كفّارة : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) يعني كفّارته تحرير رقبة مؤمنة (مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) يعني من قبل أن يجتمع بزوجته في فراش واحد (ذَ‌ٰلِكُمْ) التحرير للرقبة (تُوعَظُونَ بِهِ) يعني تأديب لكم لئلا تعاودوا على ذلك القول (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فيجازيكم على حسب أعمالكم .
4 - (فَمَن لَّمْ يَجِدْ) مالاً ليعتق رقبة (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) أي من قبل أن يجامعها (فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ) الصوم (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) يطعمهم بغداء أو عشاء (ذَ‌ٰلِكَ) الصيام أو الإطعام كفّارة (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي لتصدّقوا بما أتى به الرسول وتعلموا بأنّ الله أمره بذلك (وَتِلْكَ) الأحكام (حُدُودُ اللَّهِ) فلا تعتدوها (وَلِلْكَافِرِينَ) بها (عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة .
5 - (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أيّ يخالفون أمر الله وأمر رسوله (كُبِتُوا) أي ذلّوا وأُخزوا . ومن ذلك قول الأعشى يمدح الأسود بن منذر اللّخمي :

أنتَ خيرٌ مِن ألفِ ألفٍ من القومِ ..... إذا ما كَبَت وجوهُ الرجالِ
وقال جرير:
إنّ إمرءاً كَبَتَ العدوّ ويبتَني ..... فينا المحامدَ حقُّه أنْ يُحمَدا
(كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) أي كما أُخزي الذين من قبلهم من أهل الشرك وذلّوا . ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة البقرة {لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .