تفسير سورة الممتحنة من الآية( 10) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda




10 - صالَح النبي (ع) بالحديبية مشركي مكة على أنّ من أتاه من أهل مكة ردّه إليهم ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله لا يردّوه إليه، وكتبوا بذلك كتاباً وختموه . فجاءت بعد ذلك بعض النساء من مكة إلى المدينة وأسلَمْنَ وجاء أزواجهنّ في طلبهنّ . فنزل قوله تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ) من مكة إلى المدينة (فَامْتَحِنُوهُنَّ) بالإيمان (اللَّهُ أَعْلَمُ) منكم (بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) كما تعاهدتم معهم بل أعطوهم مُهورهنّ (لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ) بعد إسلامهنّ (وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) لأنّ المرأة إنْ أسلمت حرمت على زوجها المشرك (وَآتُوهُم) أي أعطوا أزواجهنّ (مَّا أَنفَقُوا) عليهنّ من المهور (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أي لا حرج عليكم أيها المسلمون (أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي الصُداق (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) يعني ولا تبقوا الكافرات من النساء عندكم ولا تنكحوهنّ بل طلقوهنّ وفارقوهنّ . والمعنى : إن كانت زوجتك كافرة ومشركة ولم تؤمن معك بل ذهبت إلى المشركين وتركتك فلا تبقَ متمسّكاً بعصمتها تدافع عنها وتطالب بها بل طلّقها وتزوّجْ غيرها من المؤمنات ، فكلمة "كوافر" جمع كافرة ، على وزن ظواهر وظاهرة . ومن ذلك قول النابغة الذبياني :
تزلّ الوعولُ العصمُ عن قذفاتهِ ..... وتُضحي ذُراهُ بالسحابِ
يعني وتضحي شرفاته مغطّاة بالسّحاب . وكلمة "عِصَم" جمع عِصمة وهي المنع ، ومن ذلك قول ابن نوح كما في سورة هود { سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء } يعني يمنعني من الماء ويحرسني . وقال النابغة الذبياني :
يَهدِي كتائبَ خُضراً ليس يَعْصِمُها ..... إلاّ ابتدارٌ إلى موتٍ بإِلجامِ
(وَاسْأَلُوا)منهم (مَا أَنفَقْتُمْ) عليهنّ، يعني خذوا من المشركين ما أنفقتم على زوجاتكم المشركات بعد ذهابهنّ إلى المشركين (وَلْيَسْأَلُوا) أي المشركون (مَا أَنفَقُوا) على زوجاتهم المؤمنات اللّاتي هاجرنّ إليكم (ذَ‌ٰلِكُمْ) الحكم (حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).11 - (وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ) يعني من مهور زوجاتكم المرتدّات عن الإيمان الراجعات (إِلَى الْكُفَّارِ) وامتنع المشركون من دفع مهورهن (فَعَاقَبْتُمْ) المشركين ، يعني فغزوتم وأصبتم من المشركين أموالاً (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم) من المال (مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا) عليهنّ من المهور (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في مخالفة أوامره (الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) .
12 - (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) بإسقاط الحمل ولا يقتل بعضهن أولاد بعض (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ) أي بكذب يكذبنَه في مولود يُولد (بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) أي لا يُلحقنَ بأزواجهنّ غير أولادهم . فقوله تعالى (بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ) يخص القابلات ، وقوله "بين أرجلهنّ" يخص الأمهات الوالِدات (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) تأمرهنّ به كترك النياحة وتمزيق الثياب وجزّ الشعر وشقّ الجيب على الأموات وخمش الوجه بأظافر الأصابع (فَبَايِعْهُنَّ) على هذه الشروط (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) للتائبات (رَّحِيمٌ) بالنادمات .