تفسير سورة التحريم من الآية( 1) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : http://quran-ayat.com/huda



1 - (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) ؟

يُروى أنّه أُهدي إلى بعض زوجات النبي ظرف عسل فكانت تسقي النبي منه كلّما دخل عليها ، وكان النبي يطيل الجلوس عندها ، فلما علمت بذلك عائشة إتفقت مع الباقيات من أزواجه وعملنّ حيلة مع النبي وتشاورنَ بينهنّ على أن تقول كلّ واحدة منهنّ للنبي إذا جاء عندها "إني أشم رائحة العُرفط من فمك" وهي رائحة كريهة ، فلما رأى النبيّ إجماع زوجاته على ذلك القول ظنّ أن ما يقلنّه صدقاً وأنّ العسل الذي يشربه فيه رائحة العرفط الكريهة ، فحلف أن لا يشرب العسل بعد يومه ولا يدخل على زوجته صاحبة العسل بعد ذلك . فنزلت هذه الآية وفيها عتاب للنبي على تحريمه العسل على نفسه ، وقوله (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) أي اللواتي عملن معه الحيلة ، والمعنى تطلب إرضاءهنّ بتحريم العسل وتحريم الدخول على صاحبته (وَاللَّهُ غَفُورٌ) لك (رَّحِيمٌ) بك .
2 - (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) أي قد بيّن الله لكم ما تحلّلون به أيمانكم ، والمعنى قد بيّن الله لكم الفرض والحكم في الحنث عن أيمانكم إذا حلفتم ثم حنثتم . وذلك ما جاء في سورة المائدة قوله تعالى {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ }. والمعنى : لا تبقَ على تحريمك العسل يا محمد بل إحنث وكفّر كما بينّا لك في سورة المائدة (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) أي تولّى أموركم وشؤونكم (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بأحوالكم (الْحَكِيمُ) في تدبير شؤونكم .
3 - (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) وهي حفصة (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) غيرها وأفشت سرّه (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي وأظهر النبي على إفشاء السرّ ، بأن جاء جبرائيل وأخبره بإفشاء السرّ ، حينئذٍ (عَرَّفَ) النبيّ (بَعْضَهُ) أي بعض الحديث عرّفه لإصحابه (وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ) ولم يعرّف به كلّه (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ) أي فلّما نبأ النبي حفصة بالحديث وقال لها لماذا أفشيت السر ؟ (قَالَتْ) حفصة (مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا) بأنّي أفشيتُ الحديث (قَالَ) النبي (نَبَّأَنِيَ) الله (الْعَلِيمُ) بجميع الأمور (الْخَبِيرُ) بسرائر الصّدور .
4 - فلما سمعت حفصة الآية التي نزلت فيها قالت تبتُ يارسول الله ولا أعود لمثل هذا ، وكذلك عائشة تابت ، فنزلت هذه الآية :

(إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) إلى استماع القرآن وإلى استماع القصة ، يعني استمعتما إلى الآية التي نزلت فيكما وعرفتما كيف أخبره الله تعالى بأمركما فلا تعودا إلى مثل ذلك ، (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أي على النبي مرة أخرى ، وأصلها "تتظاهرا" فحذفت إحدى التائين لتسهيل الكلام (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ) يتولّى أمره ويساعده (وَجِبْرِيلُ) يخبره (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) يساعدونه ، يعني والصّالحون من المؤمنين يساعدونه (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَ‌ٰلِكَ) أي بعد جبرائيل (ظَهِيرٌ) أي مساعد . والمعنى جبرائيل ظهير والملائكة الذين يتبعون جبرائيل أيضاً مساعدون له .5 - (عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ) أي منقطعات له عن سائر الناس (تَائِبَاتٍ) عن المعاصي (عَابِدَاتٍ) لله (سَائِحَاتٍ) أي مبشرات بدين الإسلام (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) الثيب هي التي مات زوجها أو طلّقها ، والباكر هي البنت التي لم تتزوج بعد .